أطلقت المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة، اليوم الأربعاء، نداء استغاثة عاجلاً طالبت فيه الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية والحقوقية الدولية بالضغط الفوري على سلطات الاحتلال الإسرائيلي للكشف عن مصير جثامين مئات الشهداء التي لا تزال عالقة تحت أنقاض المباني المدمرة في مدينة رفح جنوبي القطاع.
وتأتي هذه المطالبات في وقت حساس للغاية، حيث تتزايد المخاوف من محاولات الاحتلال إخفاء معالم جرائمه عبر اختطاف الجثامين أو طمرها بشكل نهائي تحت أكوام الركام من خلال عمليات التجريف الواسعة التي تنفذها الآليات العسكرية الإسرائيلية، تمهيداً لإقامة مشاريع أمنية ومناطق عازلة يطلق عليها الاحتلال "المنطقة الخضراء".
إن هذه الاستغاثة تعكس حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها عائلات الشهداء في رفح، الذين يواجهون معاناة مزدوجة تتمثل في فقدان أحبتهم والعجز عن الوصول إلى جثامينهم لدفنها بكرامة تليق بتضحياتهم.
مخاوف "المنطقة الخضراء": الدفاع المدني يحذر من طمر الجثامين وتجريف التاريخ
أعربت مديرية الدفاع المدني، في تصريح صحفي مفصل، عن قلقها العميق من قيام قوات الاحتلال بعمليات تجريف ممنهجة في المناطق المدمرة بمدينة رفح، مشيرة إلى أن هذه العمليات تهدف إلى طمر جثامين الشهداء تحت الأنقاض عبر تغيير معالم الأرض لإقامة ما يسمى "المنطقة الخضراء".
وأوضحت المديرية أنها تتلقى يومياً عشرات المناشدات والصرخات من عائلات الشهداء الذين بقيت جثامين أبنائهم تحت أنقاض منازلهم عقب الاجتياح البري للمنطقة، مؤكدة أن بقاء الجثامين تحت الركام دون انتشال يمثل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية وللقوانين الدولية التي تلزم القوة المحتلة بتسهيل الوصول إلى الموتى وتحديد هوياتهم.
إن سياسة التجريف لا تهدف فقط إلى بناء مناطق أمنية، بل تسعى بشكل متعمد إلى طمس الأدلة الجنائية على المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين العزل في رفح.
جردة حساب الدماء: 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار وارتفاع حصيلة الشهداء
على جبهة أخرى، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن بيانات مرعبة تتعلق بمدى التزام الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار المعلن. وأفاد المكتب في تقريره الصادر الثلاثاء بأن الاحتلال ارتكب أكثر من 2400 خرق للاتفاق منذ دخوله حيز التنفيذ، شملت هذه الخروقات عمليات قتل مباشر، اعتقالات تعسفية، تشديد الحصار، وسياسات التجويع الممنهج ضد السكان.
وبدروها، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية أن هذه الاعتداءات والخروقات أسفرت عن ارتقاء 765 شهيداً جديداً وإصابة 2140 آخرين بجروح متفاوتة، مما يشير إلى أن الاحتلال يستخدم اتفاق وقف إطلاق النار كغطاء لمواصلة استنزاف الشعب الفلسطيني عسكرياً وإنسانياً، بعيداً عن الرقابة الدولية الفاعلة التي كان من المفترض أن تضمن حماية المدنيين ووقف آلة القتل.
إرث عامين من الحرب: دمار 90% من البنية التحتية و72 ألف شهيد
تأتي هذه التطورات الميدانية المؤلمة بعد حرب مدمرة استمرت عامين كاملين منذ انطلاقها في 8 أكتوبر 2023، وهي الحرب التي وصفت بأنها الأبشع في التاريخ المعاصر للقطاع.
فقد خلفت آلة الحرب الإسرائيلية حصيلة ثقيلة من الدماء والدمار، حيث تجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً، فيما زاد عدد الجرحى عن 172 ألفاً، يعاني الآلاف منهم من إعاقات دائمة وحالات بتر للأطراف.
أما على صعيد العمران، فقد طال الدمار الواسع نحو 90% من البنية التحتية والمباني السكنية والمنشآت الحيوية في قطاع غزة، مما جعل القطاع منطقة غير صالحة للعيش البشري وفقاً لتقارير أممية.
إن حجم الكارثة يتطلب خطة إعمار دولية استثنائية، لكن استمرار خروقات الاحتلال وتعمده إخفاء الجثامين في رفح يعيق أي جهود حقيقية للتعافي أو حتى لتوثيق الخسائر بشكل نهائي.










