استعاد المؤرخ البريطاني بول جونسون في كتابه تاريخ العصر الحديث صورة قاتمة للنهاية التي وصلت إليها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، حين وصف قادتها بأنهم كانوا بارعين في إدارة المعارك التكتيكية، لكنهم افتقروا إلى الرؤية الاستراتيجية الشاملة. وأوضح أن هؤلاء القادة، منذ عام 1931 وحتى الهزيمة الكاملة في 1945، لم ينجحوا في طرح سؤال بسيط وحاسم: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟
هذا التوصيف لا يبدو بعيدًا عن واقع الخطاب السياسي في إسرائيل اليوم. فمع اندلاع المواجهة مع إيران، سارع زعيم المعارضة يائير لابيد إلى إطلاق خطاب تعبوي يؤكد فيه وحدة الداخل وقوة الجيش والدعم الأمريكي، معتبرًا أن لحظة الحرب تلغي الخلافات السياسية. ورغم الحماسة التي حملها هذا الخطاب، فإنه لم يخرج عن كونه تكرارًا للغة عامة يتبناها معظم قادة المعارضة، دون أن يقدّم أي تصور حقيقي لنهاية الصراع أو مآلاته.
مرارة بلا مراجعة
مع انقضاء جولات القتال، يتصاعد شعور عام بالإحباط داخل إسرائيل، بينما يواصل المحللون في وسائل الإعلام الحديث عن احتمالات حرب جديدة، وكأنها قدر لا يمكن الفكاك منه. وفي ظل هذا المشهد، يغيب الصوت الذي يطرح تساؤلًا بديهيًا: ماذا بعد كل هذا الدمار؟
فالوقائع تشير إلى أن الضربات العسكرية، رغم شدتها، لم تحقق أهدافها الحاسمة. النظام في طهران لا يزال قائمًا، والبرنامج النووي لم يُنهَ، بل بقيت مكوناته الأساسية مخفية أو قابلة لإعادة التفعيل، كما أن منظومات الصواريخ يعاد بناؤها تدريجيًا. في الوقت ذاته، لا تزال قوى إقليمية حليفة لإيران، مثل حزب الله، فاعلة في الميدان، إلى جانب استمرار دور الحوثيين في اليمن. هذه المعطيات تكشف فجوة واضحة بين ما تحققه القوة العسكرية وما يُراد تحقيقه سياسيًا.
وهم القوة المطلقة
تكشف التجربة الأخيرة حدود الرهان على القوة بوصفها أداة حاسمة. فالقوة قد تُلحق أضرارًا كبيرة، لكنها لا تضمن إنهاء الصراع أو تغيير سلوك الخصم على المدى الطويل. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى البحث عن بدائل استراتيجية تتجاوز منطق الحسم العسكري.
أحد هذه البدائل يتمثل في سياسة "الاحتواء"، وهي مقاربة تقوم على الحد من توسع الخصم وتقليص قدراته الخطرة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على الزمن كعامل حاسم، إذ تفترض أن الضغوط المستمرة قد تؤدي في النهاية إلى إضعاف الخصم أو دفعه إلى مراجعة مواقفه.
درس الحرب الباردة
يقدم التاريخ الحديث نموذجًا واضحًا لنجاح سياسة الاحتواء، يتمثل في الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. فقد كان الصراع بين الطرفين أيديولوجيًا بامتياز، حيث سعت الشيوعية إلى تقويض النظام الرأسمالي، بينما عملت الولايات المتحدة على ترسيخ نموذجها الديمقراطي.
ورغم حدة التوتر، تجنّب الطرفان المواجهة العسكرية المباشرة، ما أسهم في تقليل خطر اندلاع حرب نووية. وفي نهاية المطاف، انهار المعسكر السوفياتي عام 1991 دون حرب شاملة، ما عُدّ انتصارًا للاستراتيجية الأمريكية التي اعتمدت على الاحتواء طويل الأمد بدل المواجهة المباشرة.
الجدار الحديدي
في إسرائيل، تجسدت فكرة الاحتواء في مفهوم "الجدار الحديدي"، الذي صاغه فلاديمير جابوتنسكي وتبنّاه ديفيد بن غوريون. وقد قام هذا المفهوم على بناء قوة عسكرية رادعة تُقنع العرب باستحالة القضاء على إسرائيل، ما يدفعهم في النهاية إلى القبول بوجودها.
لكن اللافت في هذه الرؤية أن القوة لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غاية سياسية، وهي إنهاء الصراع. وقد اعتقد منظرو هذا النهج أن العرب، بعد إدراكهم حدود القوة، سيتجهون نحو التسوية بدل المواجهة المستمرة.
تحولات عربية
تشير تطورات التاريخ إلى أن هذا التصور تحقق جزئيًا. فقد شكّلت نتائج حرب الأيام الستة لحظة مفصلية أدرك فيها العرب صعوبة القضاء على إسرائيل عسكريًا، وهو ما مهّد الطريق لاحقًا لاتفاقيات سياسية، أبرزها اتفاق السلام مع مصر.
كما برزت مبادرة السلام العربية 2002 بوصفها عرضًا شاملًا لإنهاء الصراع، قائمًا على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 مقابل الاعتراف والتطبيع. هذه المبادرة، التي كان من الممكن أن تُعد إنجازًا تاريخيًا للمشروع الصهيوني، لم تحظَ بالاهتمام الكافي من القيادات الإسرائيلية اللاحقة.
نهج السيف المفتوح
في المقابل، يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التمسك برؤية تقوم على إدارة الصراع بدل حله، أو ما يمكن وصفه بـ"العيش على حد السيف". هذا النهج يعيد إنتاج دورات متكررة من العنف، دون أن يفتح أفقًا سياسيًا حقيقيًا، وهو ما يظهر بوضوح في تكرار جولات التصعيد دون نتائج نهائية.
هذا المسار لا يكتفي بإطالة أمد الصراع، بل يعمّق حالة عدم الاستقرار، ويزيد من احتمالات الانفجار في أي لحظة، ما يجعل كلفته الاستراتيجية أعلى بكثير مما يبدو على المدى القصير.
احتواء إيران
يرى الكاتب أن تطبيق استراتيجية الاحتواء على إيران قد يشكل بديلًا عمليًا. ويقوم هذا الطرح على عنصرين أساسيين: الأول هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، باعتباره التهديد الأخطر، مع إمكانية تقديم تنازلات في ملفات أقل خطورة نسبيًا.
أما العنصر الثاني، فيتمثل في خفض مستوى التصعيد، إذ إن استمرار المواجهة المفتوحة يغذي دوافع الانتقام ويزيد من تعقيد الصراع. وعلى العكس، فإن تقليل الاحتكاك قد يساهم في تهدئة التوترات على المدى الطويل.
أفق سياسي غائب
إلى جانب البعد الأمني، يبرز البعد السياسي كعنصر حاسم في أي استراتيجية بديلة. إذ يمكن لإسرائيل، وفق هذا الطرح، أن تعزز موقعها من خلال الانخراط في ترتيبات إقليمية، خاصة مع دول مثل سوريا والسعودية، إضافة إلى الحكومة اللبنانية.
وقد يكون الانطلاق من قبول مبدئي لـمبادرة السلام العربية 2002 خطوة نحو إعادة فتح المسار السياسي، بما يشمل التقدم نحو حل الدولتين. ورغم أن هذا الطرح يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن، فإنه يظل أقل كلفة من الاستمرار في دوامة الصراع المفتوح.
بين خيارين
في المحصلة، يبدو أن إسرائيل تقف أمام خيارين: إما الاستمرار في نهج يعتمد على القوة العسكرية وحدها، رغم محدودية نتائجه، أو الانتقال إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على الاحتواء والعمل السياسي.
ورغم أن الخيار الثاني يتطلب وقتًا وصبرًا، وربما تنازلات، فإنه يفتح الباب أمام إمكانية الخروج من دائرة الحروب المتكررة، التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج سوى مزيد من الأزمات دون حلول حقيقية.









