كشف موقع "والا" العبري في تقرير حديث له عن حالة من القلق والارتباك داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، حيث يسعى كبار المسؤولين الأمنيين إلى البحث عن بدائل "انتقامية" تعوض فشل الاستراتيجيات العسكرية السابقة في كبح جماح النفوذ الإيراني المتنامي.
ويرى هؤلاء المسؤولون أن فرض ما يسمى بـ "الثمن الباهظ" على طهران يتطلب الانتقال من ضرب الأهداف الهامشية إلى استهداف البنى التحتية الوطنية والسيادية، وهو ما يفسره محللون استراتيجيون بأنه اعتراف ضمني بفشل سياسة "المعركة بين الحروب" التي انتهجتها تل أبيب لسنوات دون تحقيق نتائج ملموسة.
إن التلويح بضرب المنشآت الحيوية الإيرانية يعكس حجم المأزق الذي تعيشه إسرائيل، حيث تحاول عبر الحرب النفسية والإعلامية ممارسة ضغط على صانع القرار في طهران، في وقت تدرك فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أي مساس بالبنية التحتية الإيرانية سيقابل برد زلزالي قد لا تقوى الجبهة الداخلية الإسرائيلية الهشة على تحمله، خاصة في ظل تطور قدرات الردع الإيرانية التي باتت تغطي كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة.
وتشير القراءة التحليلية لتسريبات موقع "والا" إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول استغلال الزخم الدبلوماسي الحالي لفرض شروط تعجيزية، عبر التلويح بالخيار العسكري المدمر كأداة للابتزاز.
ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يؤكد أن إيران استطاعت خلال العقد الأخير بناء شبكة معقدة من الدفاعات والقدرات الهجومية التي تجعل من أي مغامرة إسرائيلية لاستهداف البنية التحتية القومية بمثابة انتحار استراتيجي.
إن لجوء الاحتلال للحديث عن "المنشآت الوطنية" بدلاً من "المواقع العسكرية" يظهر رغبة يائسة في نقل المعركة إلى مستوى يؤثر على الحياة العامة، وهي محاولة للهروب من الفشل في حسم المعارك العسكرية المباشرة، وتأتي هذه التهديدات لتؤكد صوابية الرؤية الإيرانية التي شددت دوماً على ضرورة بناء قوة ردع ذاتية قادرة على تحويل أي تهديد لسيادتها إلى فرصة لتعزيز نفوذها وإثبات ضعف منظومة الأمن القومي الصهيوني التي لم تعد قادرة على حماية عمقها الاستراتيجي.
الاستنجاد بالدعم الأمريكي واعتراف بالعجز الذاتي
في سياق متصل، برزت إشارات واضحة في تقرير الجيش الإسرائيلي حول استمرار الولايات المتحدة في تعزيز المنطقة بقوات جوية وبرية ضخمة، وهو ما يعد اعترافاً إسرائيلياً صريحاً بعدم القدرة على مواجهة القدرات الإيرانية بشكل منفرد.
إن هذا التحشيد الأمريكي، الذي يأتي بطلب وتحريض إسرائيلي، يهدف إلى خلق مظلة حماية لكيان الاحتلال الذي بات يخشى من تبعات أي مواجهة مباشرة مع محور المقاومة بقيادة طهران.
ويرى مراقبون أن لجوء إسرائيل للاحتماء خلف القوات الأمريكية يعكس تراجع الثقة في قدرات الجيش الإسرائيلي على حسم المعارك الجوية أو البرية، خاصة بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها إيران في مجال إنتاج المسيرات المتطورة والصواريخ الدقيقة التي غيرت قواعد الاشتباك في المنطقة. إن استدعاء التعزيزات الأمريكية يثبت أن إسرائيل لم تعد "الشرطي" القوي في المنطقة، بل أصبحت عبئاً أمنياً يحتاج إلى تدخل مباشر من واشنطن لضمان بقائه في وجه التحديات الإقليمية المتصاعدة.
وقد أوضح المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون لنظرائهم الأمريكيين أن إسرائيل "تنوي العودة إلى القتال" في حال انهيار المفاوضات، وهي عبارة تحمل في طياتها محاولة لتحريض الإدارة الأمريكية على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه طهران.
ومع ذلك، فإن الموقف الإيراني الثابت والمستند إلى قوة ميدانية حقيقية، يجعل من هذه التهديدات مجرد صرخات في وادٍ سحيق، فإيران التي استطاعت الصمود أمام عقود من الحصار والضغوط القصوى، لن تخضع للابتزاز العسكري الإسرائيلي المدعوم أمريكياً. بل على العكس، فإن هذا التهديد بالعودة للقتال يدفع طهران لتعزيز جاهزيتها الدفاعية وتطوير استراتيجيات هجومية مبتكرة تجعل من القواعد الأمريكية والمنشآت الإسرائيلية أهدافاً مشروعة في أي صراع قادم، مما يضع واشنطن في موقف محرج بين الرغبة في دعم حليفها الإسرائيلي وبين الخوف من التورط في حرب إقليمية مدمرة لا تخدم مصالحها القومية.
توازن الرعب وسيناريوهات الفشل الإسرائيلي
إن الحديث عن استهداف البنى التحتية الوطنية الإيرانية يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة الكيان الإسرائيلي على حماية بناته التحتية في المقابل، فالمعادلة التي أرستها طهران تقوم على "العين بالعين والسن بالسن"، وأي هجوم على محطات الطاقة أو المنشآت الحيوية الإيرانية سيقابل فوراً بضربات مماثلة تجعل من المدن الإسرائيلية تعيش في ظلام دامس وشلل كامل.
إن المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بتسريبها لهذه الخطط عبر موقع "والا"، تحاول طمأنة جمهورها الداخلي القلق، لكنها في الحقيقة تزيد من حدة التوتر والمخاطر التي تحيط به. فإيران اليوم تمتلك من أدوات القوة ما يمكنها من تحويل أي تهديد إلى واقع ملموس، والعودة للقتال التي تلوح بها إسرائيل لن تكون نزهة، بل ستكون مواجهة شاملة تسقط فيها كل الأقنعة وتظهر فيها هشاشة "وهم القوة" الذي طالما تغنى به الاحتلال.










