في غياهبِ الفجرِ الأول، حينَ استيقظَ وعيُ الإنسانِ على تساؤلاتِ الوجودِ الكبرى، لم تكنِ الأديانُ صِيغاً جامدةً أُنزلت لِتُكبّلَ الأرواح، بل كانت "نوراً" يُبددُ وحشةَ التيه.
إنَّ الناموسَ الأزليَّ والقاعدةَ الرصينةَ التي قامت عليها الرسالاتُ السماويةُ والمدارسُ الأخلاقيةُ هي أنَّ الدينَ وُجدَ لخدمةِ الإنسان، لا ليكونَ الإنسانُ قرباناً في محرابِ الشكليةِ الجوفاء.
جوهرُ النبوة: عمارةُ الذاتِ قبلَ عمارةِ المعبد..
إنَّ جوهرَ الأديانِ يكمنُ في قُدرتِها على صياغةِ "الكائنِ الأخلاقي". فالدينُ الذي لا ينعكسُ أثراً في رِقّةِ القلوب، وسُموِّ التعامل، وترفُّعِ النفوسِ عن الصغائر، هو دينٌ معزولٌ عن مَنبعهِ الأصيل. إنَّ الطقوسَ مهما عظُمت، تظلُّ حركاتٍ آليةً وصوراً باهتةً ما لم تكن وقوداً يُحركُ ماكينةَ الخيرِ في بَشرٍ يسعى بينَ البشر.
فالعبرةُ ليست في طولِ السجود، بل في استقامةِ الوقوفِ أمامَ مَظالمِ الخلق. ومن هنا، يبرزُ الفارقُ الجوهريُّ بينَ الدينِ كمنهجِ حياة وبينَ الدينِ كقناعٍ للاختباء.
مشجبُ الآثامِ.. ووهمُ التديّن..
حينَ ينفصلُ المعتقدُ عن السلوك، يتحولُ الدينُ في يدِ البعضِ إلى "شمّاعةٍ" بائسة، يُعلّقونَ عليها أثامهم، ويُبررونَ بها قُبحَ أفعالهم، ويستترونَ خلفَ نصوصِها ليُمارسوا نقيضَ جَوهرها.
إنَّ الذي يتخذُ من الدينِ غطاءً لِيرتكبَ باسمِهِ الحماقاتِ أو لِيُطهرَ بهِ يداً تلطخت بالظلم، لم يتدين قط، بل هو في حقيقةِ الأمرِ قد اتخذَ من الإلهِ سِتراً لِشيطانهِ الكامنِ في صدره.
الدينُ الذي لا يُرتبُ فوضى أخلاقك، ولا يُهذبُ شراسةَ طبعك، ولا يزرعُ فيكَ الرحمةَ بالضعيفِ والعدلَ مع الخصم، هو "دينٌ مستعار" لا يتجاوزُ الحناجر. هو صخبٌ فارغٌ يُرادُ بهِ إيهامُ الذاتِ بالفضيلة، بينما الروحُ غارقةٌ في دَرنِ الأنا.
المآلُ والغاية
إنَّ الملحمةَ الحقيقيةَ للإنسانِ المؤمنِ هي رحلةُ التسامي فوقَ الغرائزِ الماديةِ نَحوَ آفاقِ الإنسانيةِ الرحبة. فالدينُ الحقُّ هو ذلكَ الذي يجعلُ من الفردِ لَبِنةً صالحة، ومن القلبِ مِحراساً للحب، ومن العقلِ منارةً للتفكر.
فليست الأديانُ غايةً في ذاتِها، بل هي الوسيلةُ الأسمى لِصناعةِ إنسانٍ يليقُ بمقامِ الاستخلافِ على هذهِ الأرض. فإذا لم يُصلحِ الدينُ الإنسان، فالعيبُ ليس في الوحيِ بل في الوعاء، وإذا غابت الثمرةُ السلوكية، فقدت الشجرةُ مبررَ وجودها.








