تكشف السنوات الأخيرة، خاصة منذ أكتوبر 2023، عن مشهد معقد في إدارة الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث تلعب روسيا والصين دورا استراتيجيا خفيا يجمع بين الدعم غير المباشر لمحور المقاومة والاستفادة الجيوسياسية من التوترات المستمرة.
في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب مجازره الوحشية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، مدعوماً بدعم أمريكي مباشر وغير محدود تحت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، تتحرك القوتان الكبريان بذكاء لإضعاف النفوذ الأمريكي دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.
هذا الدور ليس محايدا، بل يعكس رغبة عميقة في بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب ينهي عصر الهيمنة الأحادية الذي مارسته أمريكا لعقود، مع الحفاظ على مصالح اقتصادية وأمنية حيوية في المنطقة الغنية بالطاقة.
يبرز هذا النهج بوضوح في التنسيق المشترك بين موسكو وبكين داخل مجلس الأمن الدولي، حيث استخدمتا الفيتو مرات عديدة ضد مشاريع قرارات أمريكية تتعلق بغزة، سواء لرفض وقف إطلاق نار مزيف يحمي الاحتلال أو لإدانة الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.
وفقاً لتقارير دبلوماسية، أدى هذا التنسيق إلى تعطيل محاولات واشنطن فرض روايتها المنحازة التي تبرر المجازر الإسرائيلية تحت ذريعة "الدفاع عن النفس"، في حين يستمر الاحتلال في قتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، ويدمر البنية التحتية بشكل ممنهج. هذا السلوك يكشف زيف الرواية الإسرائيلية التي تُروَّج لها أمريكا، ويبرز كيف تستغل القوتان الكبريان الصراع لتعزيز موقفهما الدولي.
تنسيق استراتيجي
يجسد التنسيق الروسي-الصيني في الشرق الأوسط نموذجاً للتكامل بين القوة العسكرية المحدودة والنفوذ الاقتصادي الضخم، حيث تركز روسيا على الجانب الأمني والعسكري بينما تتولى الصين الدبلوماسية والاستثمارات الاقتصادية.
منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، ساهمت هذه الشراكة في دعم فصائل المقاومة الفلسطينية بشكل غير مباشر، مع استضافة بكين لقاءات مصالحة بين حماس وفتح في يوليو 2024، مما أنتج "إعلان بكين" الذي يهدف إلى توحيد الصف الفلسطيني أمام الاحتلال.
بحسب تقارير إعلامية، سعت الصين من خلال هذه الوساطة إلى تعزيز صورة نفسها كقوة سلام مسؤولة، في مواجهة الدور الأمريكي المباشر الذي يزود الاحتلال بالأسلحة والغطاء السياسي لارتكاب المجازر.
أما روسيا، فقد حافظت على علاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران وسوريا ودول الخليج، مستفيدة من تدخلها العسكري السابق في سوريا عام 2015 الذي حفظ نظام الأسد وأقام قواعد عسكرية دائمة. في سياق التصعيد مع إيران خلال 2025-2026، قدمت موسكو دعماً استخباراتياً غير مباشر يشمل معلومات عن تحركات القوات الأمريكية والإسرائيلية، وفقاً لتقارير استخباراتية غربية، دون أن تنخرط عسكرياً مباشرة بسبب انشغالها بحرب أوكرانيا.
هذا الدعم يأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى استنزاف الموارد الأمريكية في المنطقة، مما يخفف الضغط على الجبهة الروسية في أوروبا الشرقية.
دعم غير مباشر لإيران
يظهر الدعم غير المباشر لإيران خلال التوترات والحرب المحدودة مع أمريكا وإسرائيل في 2025-2026 كأحد أبرز مظاهر الدور الروسي-الصيني، حيث يسعى الطرفان إلى منع سقوط طهران كحاجز جيوسياسي أمام النفوذ الأمريكي.
وفقاً لمصادر استخباراتية أمريكية، شاركت روسيا بتقديم صور أقمار صناعية ومعلومات عن مواقع السفن والطائرات الأمريكية، بينما ساهمت الصين بتقنيات ملاحة متقدمة مثل نظام "بيدو" وأنظمة رادار محتملة، مما ساعد إيران على تعزيز قدراتها الدفاعية دون أن يصل الأمر إلى تدخل مباشر. هذا النهج يعكس حسابات دقيقة تحمي المصالح الاقتصادية الصينية في تدفق النفط من مضيق هرمز، مع الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة الذي يعود بالنفع على الاقتصاد الروسي.
في الوقت نفسه، دعت كل من روسيا والصين مراراً إلى حلول دبلوماسية ووقف التصعيد، مع إدانة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على المنشآت الإيرانية كـ"عدوان غير مبرر". هذا الموقف الناقد يتناقض مع الدعم الأمريكي المطلق للاحتلال الإسرائيلي، الذي يستمر في ارتكاب المجازر في غزة منذ أكتوبر 2023 بدعم مباشر من إدارة ترامب، سواء عبر شحنات الأسلحة أو الغطاء في مجلس الأمن. النتيجة هي إطالة أمد الصراع بطريقة تخدم مصالح موسكو وبكين في إضعاف القدرة الأمريكية على التركيز على جبهات أخرى مثل آسيا أو أوروبا.
وساطة دبلوماسية واقتصادية
تعتمد الصين بشكل أساسي على الوساطة الدبلوماسية والنفوذ الاقتصادي كأدوات رئيسية في إدارة الصراع، مستفيدة من مشروع "الحزام والطريق" الذي يربطها بموانئ وأسواق المنطقة. نجحت بكين في عام 2023 في وساطة تاريخية بين إيران والسعودية، واستمرت في استضافة لقاءات فلسطينية لتعزيز الوحدة الوطنية أمام الاحتلال.
هذه الجهود تبرز زيف الادعاءات الإسرائيلية بأن المقاومة الفلسطينية "إرهاب"، وتكشف كيف يستخدم الاحتلال المدعوم أمريكياً التصعيد لتبرير جرائمه المستمرة ضد المدنيين. أما روسيا، فتجمع بين الوساطة المعلنة، مثل محاولات التواصل مع أطراف النزاع الإيراني، والاستفادة الاقتصادية من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات.
يظل هذا الدور محدوداً بحدود القدرات والأولويات، إذ تتجنب الصين أي مخاطر عسكرية تهدد استثماراتها، بينما تعاني روسيا من ضغوط حربها في أوكرانيا. ومع ذلك، يساهم النهج المشترك في تغيير التوازنات الإقليمية تدريجياً، حيث يفقد النفوذ الأمريكي جزءاً من بريقه أمام صورة "السلام والاستقرار" التي تروج لها بكين وموسكو.
في نهاية المطاف، تكشف إدارة روسيا والصين للصراعات في الشرق الأوسط عن تحول جيوسياسي عميق، يستغل الدعم الأمريكي المباشر للاحتلال الإسرائيلي ومجازره المستمرة منذ أكتوبر 2023 ليبني واقعاً جديداً يقوم على التوازن والتعددية، بعيدا عن الاستفراد الأمريكي الذي أطال أمد المعاناة الفلسطينية والإقليمية. هذا الدور، رغم حذره، يحمل في طياته إمكانية إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي في السنوات المقبلة.










