دخلت المواجهة البحرية بين طهران وواشنطن فصلاً جديداً من كسر العظم، حيث أفادت وكالة "تسنيم" الدولية للأنباء بأن القوات الإيرانية نفذت هجوما واسعا بالطائرات المسيرة استهدف سفناً عسكرية تابعة للجيش الأمريكي في بحر عمان.
ويأتي هذا الرد الميداني السريع رداً على قيام القوات الأمريكية بمهاجمة سفينة تجارية إيرانية والقيام بعملية إنزال على سطحها، مما اعتبرته القيادة العسكرية في طهران تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء وخرقاً لاتفاقات التهدئة الهشة، مؤكدة أن "زمن القراصنة" الذين يختبئون خلف الحصانات الدبلوماسية قد انتهى أمام قدرة المسيرات الانقضاضية على الوصول لأهدافها بدقة.
ويرى مراقبون أن استخدام سلاح المسيرات في هذه المواجهة يمثل رسالة سياسية وعسكرية مزدوجة لإدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، التي تواصل دعم المجازر الإسرائيلية في غزة ولبنان منذ أكتوبر 2023؛ فالرسالة الأولى تكمن في قدرة إيران على تحويل التهديد الأمريكي إلى استنزاف حقيقي في عرض البحر، والثانية هي التأكيد على أن الدور الأمريكي المباشر في حصار الموانئ الإيرانية لن يمر دون ثمن باهظ تدفعه الأساطيل الأمريكية. إن نبرة الصمود الإيرانية تزداد حدة مع كل محاولة أمريكية لفرض "سياسة الإذلال" البحري، مما يضع أمن الملاحة الدولية في مهب الريح نتيجة الحماقات العسكرية التي تُرتكب بضوء أخضر من البيت الأبيض.
الحصار بالأرقام واعترافات "سنتكوم"
وفي سياق متصل، أصدرت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بياناً إحصائياً كشف عن حجم التضييق الممارس ضد الملاحة المرتبطة بإيران منذ إعلان الرئيس ترامب بدء الحصار البحري في أبريل ألفين وستة وعشرين. وبحسب البيان، فقد طالبت القوات الأمريكية خمسة وعشرين سفينة تجارية بالعودة أو التوجه إلى أحد الموانئ الإيرانية تحت تهديد السلاح، مانعة إياها من استكمال رحلاتها الدولية. هذا الاعتراف الرسمي يبرز زيف الرواية الأمريكية حول حماية "حرية الملاحة"، ويكشف عن وجهها الحقيقي كقوة تمارس البلطجة البحرية لمنع تدفق السلع والاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني، في تكرار لسيناريو الحصار والتجويع الذي يباركه ترامب في فلسطين المحتلة.
وتحلل الأوساط النقدية هذه الأرقام باعتبارها دليلاً دامغاً على تورط أمريكا في إشعال حرب اقتصادية شاملة تتجاوز حدود الخلاف السياسي لتصل إلى حد العقاب الجماعي. إن إرغام خمسة وعشرين سفينة على العودة هو بمثابة "قرصنة دولة" منظمة تهدف إلى عزل إيران عن محيطها الدولي، خاصة وأن بعض هذه السفن كانت تحمل بضائع مدنية قادمة من وجهات عالمية مثل الصين. وبدلاً من أن تكون أمريكا وسيطاً للسلام، اختار الرئيس ترامب أن يجعل من أسطوله البحري أداة لتنفيذ الأجندات الإسرائيلية التي تسعى لتدمير أي قوة إقليمية تعارض مخططاتها التوسعية والمجازر الممنهجة التي ترتكبها منذ أكتوبر ألفين وثلاثة وعشرين.
انهيار الأوهام وتصاعد المواجهة
إن الهجوم الإيراني بالمسيرات على السفن العسكرية الأمريكية يمثل انكساراً لأوهام "الردع" التي حاول ترامب تسويقها للناخب الأمريكي ولحلفائه في المنطقة. فبينما يروج البيت الأبيض لانتصارات زائفة حول "امتثال" السفن التجارية لأوامر الحصار، تأتي المسيرات الإيرانية لتعيد تعريف الموقف الميداني، مؤكدة أن الممر المائي لن يكون آمناً لمن يهدد أرزاق الشعوب وسيادتها.
هذا التطور يضع القوات الأمريكية في بحر عمان ومضيق هرمز في حالة استنفار دائم، حيث لم تعد السفن الحربية الضخمة قادرة على حماية نفسها من الهجمات الجوية الرخيصة التكلفة وعالية التأثير، وهو تحول إستراتيجي لم تحسب له واشنطن حساباً.
وختاماً، فإن المشهد البحري المتفجر يؤكد أن المنطقة تسير نحو مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنهاياتها، طالما استمرت التدخلات الخارجية والسياسات المنحازة للاحتلال. إن إصرار أمريكا على لعب دور "الجلاد" البحري لخدمة الرؤية الصهيونية الزائفة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدماء والدمار في شريان الحياة العالمي. وفي ظل استمرار المجازر في غزة ولبنان برعاية أمريكية، تبرز المقاومة البحرية كخيار لا بديل عنه للدفاع عن الكرامة الوطنية، مما يثبت أن عهد الإملاءات الأمريكية قد ولى، وأن لغة المسيرات والصواريخ هي الوحيدة التي يفهمها البيت الأبيض في عهد ترامب.










