20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد خليل مصلح يكتب: نتنياهو.. رفاهية الخروج الآمن ولحظة التصفية الكبرى

تحوّل نتنياهو من صانع أجندة إلى منفّذ مُشروط. ترامب يضغط نحو مسارات دبلوماسية -وساطات إقليمية، تطبيع سعودي، استقرار يتيح انسحاباً أمريكياً تدريجياً- مقابل استمرار الغطاء السياسي.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٢٤ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
10 مشاهدة
نتنياهو

نتنياهو

 أولا: المأزق الوظيفي.. من زعيم إلى عبء

في ولاية ترامب الثانية، تحوّل نتنياهو من صانع أجندة إلى منفّذ مُشروط. ترامب يضغط نحو مسارات دبلوماسية -وساطات إقليمية، تطبيع سعودي، استقرار يتيح انسحاباً أمريكياً تدريجياً- مقابل استمرار الغطاء السياسي.

لكن التحول الأعمق أن نتنياهو لم يعد مجرد موظف صعب، بل أصبح عائقاً بنيوياً أمام أهداف ثلاثة أطراف في آنٍ واحد: واشنطن، والمؤسسة الإسرائيلية، والشارع.

 ثانياً: المظاهرات.. كاشف هيكلي لا ضجيج عابر

المظاهرات الإسرائيلية المتصاعدة ليست غضباً شعبياً عابراً، بل هي مؤشر قياس دقيق لثلاثة تراكمات متزامنة انفجرت معاً:

- انهيار عقد "الأمن مقابل الصمت"، الإسرائيلي العادي لم يعد يقبل تقديم تضحيات مقابل حروب بلا نهاية وبلا حسم.
- رفض الشخصنة، الشارع يرفض تحويل مصير الدولة إلى خدمة مصير شخص
- أزمة الحريديم، ليست مجرد خلاف ديني بل قنبلة موقوتة داخل الجيش نفسه تهدد قدرته على الاستمرار.

الشارع بهذا المعنى لا يطالب فقط برحيل نتنياهو ، بل يطالب باستعادة الدولة من منطق البقاء الشخصي.

ثالثاً: انعكاس الجبهات.. الفشل كإرث

نتنياهو لم يحسم أي جبهة فتحها:

- غزة: حرب مستمرة دون هدف نهائي واضح
- الشمال: هدوء هش لا يُسمى انتصاراً
- إيران: تهديد معلّق لم يُحسم عسكرياً ولا دبلوماسياً

الأخطر من الفشل نفسه أن هذه الجبهات انقلبت لتصبح أدوات استنزاف لمكانته بدل أن تكون مصادر شرعيته. وداخل الليكود بدأت القواعد تدرك أن الحزب تحوّل إلى درع شخصي لا إلى مشروع سياسي.

رابعاً: لبنان.. الورقة المُصمَّمة للفشل

هنا الجوهر الأكثر دقة في التحليل:

نتنياهو، لن يقدم لبنان جسراً حقيقياً للتخلص من حزب الله ، لأن نجاح لبنان في تجاوز حزب الله يعني:

- سقوط ذريعة التهديد الوجودي التي يبني عليها شرعيته الداخلية
- تحوّل المنطقة نحو استقرار لا يحتاج نتنياهو.
- خسارة آخر أوراق الضغط على الحليف الأمريكي.

فشل مفاوضات لبنان إذن مهندَس لا عرضي والهدف إبقاء الملف في منطقة رمادية: لا حرب كاملة ولا سلام حقيقي.

لكن هذا الحساب ينقلب عليه:

ترامب يقرأ الفشل اللبناني كعرقلة متعمدة لأجندته الإقليمية. وعندما يصبح نتنياهو عائقاً أمام "صفقة ترامب الكبرى" تتحوّل إزاحته من خيار سياسي إلى ضرورة أمريكية.

خامساً: معادلة المصلحة المشتركة النادرة

لأول مرة في تاريخ الأزمات الإسرائيلية المتعاقبة تتقاطع مصالح ثلاثة أطراف في نقطة واحدة:

الطرف المصلحة من إزاحته
واشنطن فتح مسار التطبيع السعودي وتحقيق الإرث الدبلوماسي لترامب
المؤسسة الإسرائيلية إنهاء الشلل وإعادة بناء شرعية الجيش والقضاء والاقتصاد
الشارع استعادة منطق "الدولة" من منطق "الشخص"

هذا التقاطع النادر هو ما يجعل المرحلة القادمة مختلفة جوهرياً عن كل أزماته السابقة التي نجا منها بتفريق هذه الأطراف عن بعضها.

سادساً: الضغط البيولوجي والتفاوضي

نتنياهو يعلم حقيقة واحدة قاسية: الزمن البيولوجي يُضيّق خياراته.

المقايضة الآن -بينما لا يزال يملك ورقة سياسية- أفضل بكثير من المحاكمة لاحقاً بلا رصيد تفاوضي. وهنا تتشكل "الصفقة المرّة":

- نتنياهو يقبل اعتزالاً سياسياً مقابل تسوية قضائية
- القضاء الإسرائيلي قد يقبلها ثمناً لـ"طي صفحة الانقلاب على المؤسسات"
- المؤسسة تحصل على استقرار، ونتنياهو يحصل على حرية

السيناريو الأرجح

ليس خروجاً طوعياً نظيفاً بصفقة مُعلنة، بل مساراً من ثلاث مراحل متداخلة:

أولاً: انهيار ائتلافي تدريجي تصنعه المظاهرات + الضغط الأمريكي + تصدعات الليكود الداخلية

ثانياً: انتخابات مبكرة يدخلها نتنياهو بأضعف رصيد في تاريخه، في مواجهة تحالف يجمع "البديل الأخلاقي" -آيزنكوت وبينيت- الذي يوفر مخرجاً يمينياً مقبولاً لقواعد الليكود المحبطة

ثالثاً: تسوية قضائية تأتي بعد الخروج السياسي لا قبله.. تُكمل الصورة دون أن تكون محركها الرئيسي

الخلاصة: صدام الغرائز

نحن أمام لحظة نادرة حيث غريزة بقاء نتنياهو تصطدم مباشرة بغريزة بقاء الدولة الإسرائيلية ذاتها.

إرثه سيكون إرث "اللاحسم".. لم يهزم أعداء الخارج، لكنه كاد أن يهزم مؤسسات الداخل. والرهان الحقيقي الآن ليس على رحيله، بل على قدرة من يأتي بعده على تفكيك المعادلة الخطيرة التي جعلت من مصير شخص واحد مصيراً لدولة بأكملها.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح يكتب: نتنياهو.. رفاهية الخروج الآمن ولحظة التصفية الكبرى - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°