في حدث تاريخي يتجاوز الأبعاد الإدارية التقليدية، انطلقت في مدينة دير البلح بقطاع غزة أول انتخابات بلدية بعد توقف قسري دام لأكثر من عشرين عاماً، لتمثل هذه الخطوة صفعة قوية لمحاولات تغييب الإرادة السياسية الفلسطينية.
وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أكد المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين، أن هذا الاستحقاق يحمل دلالة مركزية تتمثل في انبعاث الإرادة الشعبية كمصدر وحيد للشرعية، في مواجهة مباشرة مع "هندسة الاحتلال" التي استثمرت عقدين من تعطيل المسار الديمقراطي لضرب أي مظهر من مظاهر السيادة الوطنية.
واعتبر شاهين أن هذه الانتخابات ليست مجرد إجراء تكميلي، بل هي عملية تفكيك عضوي لمنطق الاحتلال كأداة حكم غير مباشر، وإعلان صريح بأن الشعب الفلسطيني قادر على إنتاج سلطته من تحت الركام، بعيداً عن رحم الوصاية أو التفويضات الخارجية المشبوهة التي تحاول القفز على الثوابت الوطنية.
التوقيت كفعل صمود في قلب الإبادة
يرى المحلل محمد شاهين أن إجراء هذه الانتخابات في ظل ظروف الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج ليس محض مصادفة، بل هو رد فعل جدلي وواعٍ على محاولة الاحتلال تفريغ قطاع غزة من بنيته المجتمعية المتماسكة. فبينما يمارس الاحتلال التدمير الشامل لإسقاط فكرة الإرادة السياسية الحرة، يأتي الرد الفلسطيني بإعادة إنتاج المؤسسات الشعبية من داخل مراكز النزوح والإيواء، ليرسل رسالة للعالم مفادها أن "الشرعية الثورية" لا تستأذن المحتل بل تفرض نفسها كحقيقة وطنية صامدة لا تقبل القسمة على التنازل وإن تحويل مراكز الإيواء إلى محطات للاقتراع يثبت أن الوعي السياسي الفلسطيني أقوى من محاولات التجهيل والتشريد، وأن ممارسة الحق الديمقراطي في ذروة الحرب هو أسمى أنواع المقاومة الثقافية والسياسية التي تحافظ على الكيان الوطني من الذوبان والانهيار.
الجاهزية والنسيج الاجتماعي الاستراتيجي
وفي رده على تساؤلات الجاهزية الفنية في ظل الدمار، أكد شاهين أن المقياس الحقيقي للجاهزية في دير البلح لا يكمن في الأدوات التقنية التي دمرها القصف، بل في "البنية التحتية للنسيج الاجتماعي" والذاكرة الجمعية المتقدة بالروح النضالية، هذا المخزون الاستراتيجي هو الذي يدفع الكوادر المحلية والمتطوعين لتحويل كل زاوية متبقية إلى صندوق اقتراع، محولين فكرة التصويت من مجرد إجراء فني إلى "فعل صمود سياسي" متكامل الأركان
. إن انتصار إرادة الجماعة الوطنية على خراب الجغرافيا هو المعيار الذي يحدد نجاح هذه العملية الانتخابية، حيث يقف 70 ألف ناخب في دير البلح ليعلنوا أن الشرعية تستمد من التفاف الشعب حول قيادته المحلية المنتخبة، وهي الشرعية القادرة على ضبط الأمن المجتمعي وتوفير البديل الوطني لسياسات الفوضى التي يحاول الاحتلال تصديرها كذريعة لفرض الوصاية الدائمة.
الإقبال الشعبي كشهادة ميلاد وطنية
يتوقع المحلل محمد شاهين أن تشهد هذه الانتخابات نسبة إقبال مرتفعة بشكل استثنائي تتجاوز كافة مقاييس "الرفاه الانتخابي" المتعارف عليها عالمياً، وذلك لأن كل صوت يتم الإدلاء به في دير البلح اليوم لا يمثل مجرد ورقة في صندوق، بل هو "صك ملكية شعبية" للأرض وشهادة ميلاد جديدة للكيان الوطني الفلسطيني وإن الناخب الفلسطيني يدرك تماماً أن مشاركته هي رفض قاطع لتحويل المساعدات الإنسانية والفتات الدولي إلى بديل عن الحقوق السياسية الأصلية، وهي تأكيد على أن القضية الفلسطينية هي قضية تقرير مصير بامتياز. هذا الزخم الشعبي المتوقع يبعث برسالة مدوية إلى كافة العواصم المتواطئة، بأن الشعب الفلسطيني في غزة، رغم الجراح، يمتلك الوعي والقدرة على اختيار ممثليه وبناء مؤسسات دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني.
نحو انتخابات شاملة وبرنامج تحرري موحد
ويختتم شاهين رؤيته التحليلية بالتأكيد على ضرورة تحويل استحقاق دير البلح إلى مدخل لا رجعة فيه لإجراء انتخابات بلدية شاملة في القدس والضفة والداخل المحتل، تمهيداً لانتخابات تشريعية ورئاسية تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني المتهالك، ويشدد على أن إنهاء الانقسام الداخلي لا يمكن أن يتم عبر التفاهمات النخبوية الهشة، بل بالعودة إلى الشعب باعتباره مصدر السلطات جميعها عبر انتخابات حرة تحت رعاية وطنية جامعة ، وإن هذه الصيحة التي تنطلق من دير البلح يجب أن تكون حجر الأساس لنبذ اتفاقات "أوسلو" القاتلة، والاستناد إلى برنامج تحرري موحد يجمع الكل الفلسطيني تحت راية الصمود والبناء، مؤكداً أن فجر الحرية يبدأ من صناديق الاقتراع التي يحميها وعي الجماهير وإرادة التحرر التاريخية.










