في خضم التصعيد العسكري المرتبط بإيران، تبرز أدوار الوسطاء كعامل حاسم في محاولة احتواء الانفجار المحتمل، حيث تتحرك عدة دول على خطوط متوازية لفتح قنوات اتصال غير مباشرة بين أطراف الصراع، وهذا الحراك لا يأتي بمعزل عن إدراك متزايد بأن أي مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الإقليم، وتنعكس على توازنات دولية أوسع.
وبحسب تقارير دبلوماسية متقاطعة، فإن قنوات التواصل الخلفية عادت لتنشط خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لاحتواء التوتر، وخلق مساحات محدودة للتفاهم، حتى في ظل استمرار العمليات العسكرية أو التهديد بها.
دور باكستان
تلعب باكستان دورًا حذرًا لكنه مهم، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع أطراف متعددة في الإقليم. فإسلام آباد تسعى إلى تجنب أي تصعيد قد ينعكس على استقرارها الداخلي أو يفرض عليها اصطفافات صعبة، خصوصًا في ظل موقعها الجغرافي الحساس.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن التحرك الباكستاني يتركز على نقل الرسائل غير المباشرة، ومحاولة تخفيف حدة الخطاب، دون الانخراط في وساطة علنية كاملة، وهو ما يمنحها هامش حركة أوسع، لكنه يحد في الوقت نفسه من قدرتها على تحقيق اختراقات كبيرة.
قناة عُمان
تظل عُمان واحدة من أبرز قنوات الوساطة التقليدية في هذا النوع من الأزمات، حيث تمتلك خبرة طويلة في إدارة الاتصالات السرية بين الولايات المتحدة وإيران. ويُنظر إلى مسقط باعتبارها وسيطًا موثوقًا نسبيًا لدى الطرفين، ما يمنحها دورًا محوريًا في اللحظات الحرجة.
التحركات العُمانية، وفقًا لمصادر دبلوماسية، تركز على منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، عبر نقل رسائل تطمين متبادلة، ومحاولة إعادة إحياء مسار التفاوض، ولو بشكل محدود. غير أن نجاح هذا الدور يبقى مرهونًا بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات، وهو أمر لا يزال غامضًا حتى الآن.
الرهان الروسي
أما روسيا، فتدخل على خط الوساطة من زاوية مختلفة، تجمع بين الحسابات الجيوسياسية ومحاولة تعزيز نفوذها في إدارة الأزمات الدولية. فموسكو تسعى إلى تقديم نفسها كفاعل قادر على موازنة النفوذ الأمريكي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها مع طهران.
هذا الدور يمنح روسيا أوراق ضغط إضافية، لكنه يضعها أيضًا في موقع معقد، حيث يتعين عليها تحقيق توازن دقيق بين دعم حلفائها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أوسع. وفي هذا السياق، قد تلعب موسكو دورًا في صياغة تفاهمات جزئية أو مؤقتة، دون أن تكون قادرة بالضرورة على فرض تسوية شاملة.
مسار متعثر
رغم تعدد الوسطاء، لا يزال مسار التهدئة يواجه تحديات كبيرة، في ظل غياب الثقة بين الأطراف، واستمرار الحسابات العسكرية التي قد تتغلب في أي لحظة على منطق الدبلوماسية. كما أن تداخل الأدوار أحيانًا قد يؤدي إلى إرباك المشهد بدلًا من تسهيله، خاصة إذا لم تكن هناك تنسيقات واضحة بين هذه القنوات المختلفة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الوساطات الحالية أقرب إلى محاولة "شراء الوقت" ومنع الانفجار الفوري، أكثر من كونها مسارًا واضحًا نحو تسوية نهائية. ومع ذلك، تظل هذه الجهود ضرورية، باعتبارها الخط الأخير الذي قد يمنع تحول التصعيد الحالي إلى حرب مفتوحة يصعب احتواؤها.









