20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. سعيد محمد ابو رحمة يكتب: تحالف بينيت–لبيد: محاولة كسر هيمنة نتنياهو أم إعادة إنتاج الهشاشة السياسية؟

يشكّل الإعلان المحتمل عن توحيد أو تحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد محطة سياسية لافتة في المشهد الإسرائيلي، ليس فقط من حيث رمزيته، بل أيضًا لما يحمله من دلالات تتعلق بإعادة تشكيل معسكر الوسط–اليمين في مواجهة هيمنة بنيامين نتنياهو.

بقلم: د. سعيد محمد ابو رحمه
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
22 مشاهدة
تحالف بينيت–لبيد ضد نتنياهو

تحالف بينيت–لبيد ضد نتنياهو

يشكّل الإعلان المحتمل عن توحيد أو تحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد محطة سياسية لافتة في المشهد الإسرائيلي، ليس فقط من حيث رمزيته، بل أيضًا لما يحمله من دلالات تتعلق بإعادة تشكيل معسكر الوسط–اليمين في مواجهة هيمنة بنيامين نتنياهو. ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري لا يكمن في إمكانية قيام هذا التحالف بحد ذاته، بل في مدى قدرته على الصمود والتحول إلى قوة سياسية قادرة على تغيير موازين القوى، في نظام سياسي معقد ومجزأ كالنظام الإسرائيلي.
يأتي هذا التحرك في سياق حالة سيولة سياسية غير مسبوقة تعيشها إسرائيل منذ سنوات، حيث تكررت الانتخابات وتفككت التحالفات بسرعة، في ظل استقطاب حاد حول شخصية نتنياهو. وقد سبق لبينيت ولبيد أن خاضا تجربة مشتركة في إطار ما عُرف بـحكومة التغيير، التي نجحت في إزاحة نتنياهو مؤقتًا، لكنها لم تصمد طويلًا بسبب التناقضات الداخلية والضغوط السياسية. هذه التجربة تشكل اليوم مرجعية مزدوجة: من جهة تثبت أن التعاون بينهما ممكن، ومن جهة أخرى تذكّر بحدود هذا التعاون وهشاشته.
أحد أهم عناصر القوة في هذا التحالف المحتمل هو قدرته على إعادة تجميع أصوات المعسكر المناهض لنتنياهو، الذي يعاني من تشتت واضح بين أحزاب الوسط واليسار وبعض مكونات اليمين المعتدل. فلبيد يمتلك قاعدة جماهيرية مستقرة نسبيًا في أوساط الطبقة الوسطى والعلمانيين، بينما يمكن لبينيت أن يجذب شريحة من اليمين القومي والديني غير المرتبط عضويًا بنتنياهو. هذا التلاقي، إذا أُحسن توظيفه، قد يخلق كتلة انتخابية وازنة قادرة على المنافسة.
غير أن هذه النقطة نفسها تمثل مصدر ضعف محتمل. فالفجوة الأيديولوجية بين الرجلين ليست هامشية، بل تمتد إلى قضايا جوهرية مثل العلاقة بين الدين والدولة، والسياسات الاقتصادية، وحتى مقاربة الصراع مع الفلسطينيين. صحيح أن السياسة الإسرائيلية اعتادت على تحالفات براغماتية تتجاوز التناقضات، لكن في أوقات الأزمات – خاصة الأمنية – تميل هذه التناقضات إلى الظهور بشكل حاد، ما يهدد تماسك أي تحالف غير متجانس.
العامل الأمني يلعب دورًا حاسمًا في تقييم فرص نجاح هذا التحالف. فإسرائيل تعيش في بيئة إقليمية متوترة، ومع تصاعد الحروب والتهديدات، يتجه الرأي العام غالبًا نحو القيادات التي تُنظر إليها على أنها أكثر حزمًا وخبرة في الملفات الأمنية. في هذا السياق، قد يجد التحالف نفسه مضطرًا لتبني خطاب أكثر تشددًا لمنافسة اليمين التقليدي، وهو ما قد يضع لابيد في موقع غير مريح، أو يدفع بينيت إلى الابتعاد عن صورته كبديل “مختلف” عن نتنياهو.
إلى جانب ذلك تبرز مسألة القيادة كعنصر حاسم. فنجاح أي تحالف سياسي لا يعتمد فقط على جمع الأصوات، بل على تقديم قيادة واضحة ومتماسكة. في حالة بينيت ولبيد، هناك تاريخ من تقاسم السلطة، لكن هذا النموذج قد لا يكون قابلًا للتكرار بسهولة. الناخب الإسرائيلي في ظل حالة عدم اليقين، يبحث غالبًا عن زعيم قوي وواضح، وليس عن قيادة مزدوجة قد تبدو مرتبكة أو مترددة. وبالتالي، فإن الاتفاق على شكل القيادة داخل التحالف سيكون اختبارًا مبكرًا لمدى جديته.
من زاوية أخرى لا يمكن تجاهل تأثير نتنياهو نفسه على فرص هذا التحالف. فالرجل لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية صلبة، وقدرة عالية على إعادة تشكيل الخطاب السياسي بما يخدمه. أي تحالف بين بينيت ولبيد سيُواجه بحملة سياسية وإعلامية مكثفة تسعى إلى تصويره كتحالف انتهازي أو غير طبيعي، خاصة في ظل التناقضات الأيديولوجية بين مكوناته. نجاح التحالف سيتوقف جزئيًا على قدرته في مواجهة هذا الخطاب وتقديم رواية بديلة مقنعة.
كما أن الحسابات الانتخابية البحتة تطرح تساؤلات معقدة: هل سيؤدي التوحيد إلى زيادة عدد المقاعد، أم إلى نفور بعض الناخبين؟ في الأنظمة النسبية مثل إسرائيل ليس من الضروري أن يؤدي دمج حزبين إلى جمع أصواتهما بشكل مباشر؛ بل قد يخسر التحالف جزءًا من ناخبيه الذين لا يقبلون بالشريك الجديد. هذه المخاطرة تجعل من قرار التوحيد خطوة محفوفة بعدم اليقين.
رغم كل هذه التحديات فلا يمكن التقليل من أهمية هذه الخطوة إذا ما تمت. فهي تعكس إدراكًا متزايدًا داخل النخبة السياسية الإسرائيلية بأن استمرار التشرذم يخدم نتنياهو ويُضعف فرص التغيير. كما أنها قد تشكل بداية لإعادة رسم الخريطة السياسية على أسس جديدة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين يمين ويسار، لصالح اصطفافات تقوم على الموقف من القيادة وطبيعة النظام السياسي.
 يمكن القول إن تحالف بينيت لبيد يحمل في طياته إمكانية حقيقية لإحداث اختراق سياسي، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات بنيوية عميقة. نجاحه لن يُقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل بقدرته على الصمود بعد ذلك، وتحويل التفاهم التكتيكي إلى مشروع سياسي مستدام. وفي بيئة سياسية سريعة التقلب كإسرائيل، يبقى هذا التحدي هو الأصعب والأكثر حسماً.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. سعيد محمد ابو رحمه

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير