تشير المعطيات الراهنة في قطاع غزة إلى حالة من التناقض الظاهري بين تراجع حدة العمليات العسكرية الواسعة واستمرار الارتفاع الحاد في معدلات البطالة، وهو ما يفسره المحلل الاقتصادي مصطفى رضوان في تصريحاته الخاصة لموقع "180 تحقيقات" بأن العمليات العسكرية لم تتوقف فعلياً بل اتخذت شكلاً جزئياً يتسم بالاستهدافات اليومية والخروقات المستمرة، مما يحافظ على حالة من التوتر الدائم التي تعيق أي محاولة للتعافي الاقتصادي الأولي.
إن هذا الواقع المرتبط بالإغلاق المحكم للمعابر والقيود الصارمة على حركة السلع والأفراد أدى بالضرورة إلى عزل القطاع اقتصادياً، حيث تسبب تدمير ما يزيد عن 95% من البنية التحتية الأساسية وتضرر أكثر من 90% من المصانع والمحال التجارية في فقدان القاعدة الإنتاجية التي كان يمكن أن تستوعب الأيدي العاملة، مما دفع بمعدلات البطالة لتتجاوز عتبة الـ 95% في سابقة تاريخية تعكس حجم الكارثة المعيشية التي حلت بالسكان نتيجة تدمير الأصول الإنتاجية والخدمية بشكل شبه كامل.
تآكل القدرة الشرائية
وفي سياق متصل، انعكست هذه الأرقام المخيفة للبطالة بشكل مباشر على حركة الأسواق المحلية، حيث تلاشت القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة انعدام المداخيل والارتباط الوثيق بين التعطل عن العمل واتساع رقعة الفقر التي طالت هي الأخرى أكثر من 95% من المجتمع الغزي.
ويوضح رضوان أن غياب السيولة النقدية في أيدي الناس أدى إلى تراجع حاد في الطلب العام، وهو ما تزامن مع انقطاع سلاسل التوريد بفعل القيود المفروضة على دخول الكميات الكافية من البضائع، مما خلق حالة من الركود الاقتصادي العميق حيث لا يجد التجار من يشتري بضائعهم، ولا يجد المستهلكون وسيلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية سوى الاعتماد على ما توفره الإغاثة، وهذا الوضع أدى بدوره إلى تقليص النشاط التجاري لادنى مستوياته، مما يعزز حلقة مفرغة من الفقر والبطالة التي تتغذى على غياب النشاط الاقتصادي الطبيعي وتوقف دوران رأس المال داخل السوق المحلي الذي بات يعاني من حالة موت سريري.
فخ المساعدات الدولية
أما فيما يخص الدور الذي تلعبه المساعدات الدولية في المشهد الاقتصادي، فيصفها مصطفى رضوان بأنها "سيف ذو حدين"، فبينما ساهمت المبالغ الضخمة التي قُدمت خلال عام 2025، والتي قدرت بنحو 6.6 مليار دولار، في منع وقوع مجاعة محققة وإبقاء السكان على قيد الحياة، إلا أنها أنتجت في المقابل ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد المساعدات"، هذا النموذج الاقتصادي القائم على الإغاثة يفتقر إلى البعد التنموي والإنتاجي، حيث يتم توجيه معظم هذه الأموال نحو الاستهلاك المباشر بدلاً من الاستثمار في إعادة الإعمار أو بناء المصانع وتطوير الزراعة.
إن الاعتماد الكلي على المعونات الخارجية، رغم ضرورته الإنسانية القصوى، قد خلق حالة من الاتكالية الاقتصادية التي لا تساهم في خلق فرص عمل مستدامة، بل تحافظ فقط على الحد الأدنى من البقاء دون أفق حقيقي للتنمية أو الخروج من دائرة العوز، مما يجعل الاقتصاد الغزي رهينة لتقلبات الموقف الدولي وحجم التمويل الخارجي.
توقف الإعمار والشلل
ويعتبر تعطل قطاع البناء والإعمار المحرك الأساسي لحالة الشلل التي أصابت بقية القطاعات الاقتصادية، حيث بلغت نسبة التعطل في هذا القطاع الحيوي أكثر من 99% نتيجة المنع الإسرائيلي الصارم لدخول مواد البناء الأساسية.
ويؤكد رضوان أن غياب مواد البناء لا يعني فقط توقف تشييد المنازل، بل يعني توقف الدورة الصناعية والزراعية بالكامل، إذ لا يمكن بناء مخازن أو دفيئات زراعية أو ترميم مصانع بدون هذه المواد، مما أدى إلى فقدان القطاع لفرص استثمارية كبرى كانت كفيلة بتحريك عجلة الاقتصاد وتوفير آلاف الوظائف وإن هذا الربط الممنهج بين منع دخول المواد الخام وتعطيل الإعمار يهدف بالدرجة الأولى إلى إبقاء قطاع غزة في حالة من العجز الإنتاجي الدائم، حيث تظل كافة المكونات الاقتصادية الأخرى عاجزة عن النهوض في ظل غياب البنية التحتية والإنشائية اللازمة لممارسة أي نشاط تجاري أو زراعي أو صناعي حقيقي.
هروب رؤوس الأموال
وعلى صعيد الاستثمار، فإن الخروقات الأمنية الإسرائيلية المتواصلة وحالة عدم الاستقرار السياسي والأمني قد وجهت ضربة قاضية لثقة المستثمرين، حيث يشدد المحلل مصطفى رضوان على القاعدة الاقتصادية التي تقول إن "رأس المال جبان" فالمستثمر، سواء كان محلياً أو أجنبياً، يبحث دوماً عن البيئة التي تضمن له أقل قدر من المخاطر وأعلى درجات اليقين، وهو ما يفتقر إليه قطاع غزة تماماً في الوقت الراهن وإن حالة "اللايقين" والخوف من تدمير الاستثمارات في أي لحظة أدت إلى هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج بحثاً عن ملاذات آمنة، وأحجمت الاستثمارات الأجنبية عن الدخول إلى السوق الفلسطيني، مما تسبب في شلل اقتصادي شبه تام. غياب الاستثمارات يعني غياب الابتكار، وغياب المشاريع الكبرى، واستمرار الارتهان للواقع الإغاثي المرير، مما يجعل عملية التعافي الاقتصادي في غزة مهمة مستحيلة ما لم تتوفر ضمانات أمنية وسياسية تنهي حالة التهديد الدائم وتحفز المستثمرين على العودة للمشاركة في بناء الاقتصاد من جديد.










