20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سي إن إن: التكلفة الأمريكية للحرب علي إيران 50 مليار دولار

التقديرات الأولية التي قدمها مسؤول رفيع في وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون" بشأن كلفة الحرب مع إيران، والبالغة 25 مليار دولار، لا تعكس الحجم الحقيقي للخسائر

بقلم: سماح عثمان
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
19 مشاهدة
تكلفة حرب إيران

تكلفة حرب إيران

في تطور يكشف اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الأمريكي والواقع الميداني، أفادت شبكة CNN، نقلًا عن ثلاثة مصادر مطلعة، بأن التقديرات الأولية التي قدمها مسؤول رفيع في وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون" بشأن كلفة الحرب مع إيران، والبالغة 25 مليار دولار، لا تعكس الحجم الحقيقي للخسائر. وبحسب المصادر، فإن الرقم المُعلن يستبعد بشكل واضح تكاليف إعادة إعمار القواعد الأمريكية المتضررة، واستبدال الأنظمة الدفاعية والمعدات العسكرية التي تعرضت للتدمير خلال الضربات الإيرانية الأولى.

ووفقًا لهذه التقديرات، فإن الكلفة الفعلية للحرب قد تتراوح بين 40 و50 مليار دولار، ما يعني أن واشنطن ربما تواجه واحدة من أكثر المواجهات العسكرية تكلفة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب الذخائر والعمليات، بل نتيجة الضرر المباشر الذي طال بنيتها العسكرية المنتشرة في الخليج والمنطقة.

الضربات الإيرانية وقلب معادلة الردع

بحسب التقرير، فإن الضربات الإيرانية خلال أول 48 ساعة استهدفت ما لا يقل عن تسعة مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت والعراق والإمارات وقطر، ما يشير إلى أن طهران لم تتعامل مع الحرب بمنطق الدفاع التقليدي فقط، بل سعت منذ اللحظة الأولى إلى ضرب العمق العملياتي الأمريكي في المنطقة.

وتبرز أهمية هذه الضربات في أنها استهدفت بنية تكنولوجية وعسكرية حساسة، شملت أنظمة رادار متطورة مرتبطة بمنظومات دفاعية استراتيجية مثل "ثاد"، إضافة إلى منشآت إنذار مبكر وطائرة أمريكية من طراز E-3 Sentry، وهي من أكثر الأصول أهمية في إدارة المعارك الجوية والرقابة الإقليمية.

إذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعني أن إيران لم تسع فقط إلى الرد، بل حاولت إظهار قدرتها على رفع كلفة الحرب إلى مستويات قد تعيد حسابات واشنطن نفسها، وهو ما ينسجم مع استراتيجيتها التقليدية القائمة على استنزاف الخصم بدلًا من مواجهته بالتفوق التقليدي المباشر.

تضارب الأرقام... وتضليل الداخل

خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، أشار المسؤول المالي في "البنتاجون" جولز "جاي" هيرست الثالث إلى أن القسم الأكبر من مبلغ الـ25 مليار دولار يتعلق بالذخائر، دون توضيح ما إذا كانت الكلفة تشمل إعادة تأهيل المنشآت المتضررة. هذا الغموض أثار تشكيكًا مباشرًا من النائب الديمقراطي رو خانا، الذي وصف الرقم بأنه "غير دقيق تمامًا".

هذا الجدل لا يتعلق فقط بالحسابات المالية، بل يكشف نمطًا متكررًا في إدارة الحروب الأمريكية، حيث غالبًا ما تُعلن التكاليف الأولية بصورة أقل من الواقع لتجنب صدمة الرأي العام والكونغرس، قبل أن تتكشف لاحقًا الفواتير الحقيقية الممتدة لسنوات، كما حدث في العراق وأفغانستان.

الخليج في مرمى النار

اللافت في هذه التطورات أن الحرب لم تبقَ محصورة بين واشنطن وطهران، بل كشفت هشاشة البنية الأمنية الإقليمية التي تعتمد عليها أمريكا منذ عقود. فاستهداف قواعد في الخليج يعني أن أي حرب واسعة مع إيران تُحوّل الدول الحليفة لواشنطن إلى ساحات مباشرة، بما يحمله ذلك من تهديد للاستقرار الاقتصادي والطاقة العالمية.

وتزداد خطورة هذا المشهد إذا ما رُبط بمضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا استراتيجيًا للطاقة الدولية، ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد أكثر من مجرد نزاع عسكري؛ بل أزمة اقتصادية عالمية محتملة.

حدود القوة الأمريكية

تكشف هذه التقديرات أيضًا أن التفوق العسكري الأمريكي، رغم ضخامته، لا يمنع الخصوم الإقليميين من فرض أثمان باهظة. فامتلاك أمريكا قواعد متقدمة وأنظمة دفاعية ضخمة لا يعني حصانة كاملة، بل قد يحول انتشارها الواسع إلى شبكة أهداف مكلفة في حال اندلاع حرب متعددة الجبهات.

وهنا تكمن المفارقة: القوة التي صُممت لفرض الردع قد تتحول إلى عبء مالي واستراتيجي هائل إذا نجح الخصم في اختراقها أو إنهاكها بصورة متكررة.

بين الحرب المفتوحة والاستنزاف

في ضوء هذه الأرقام، تبدو واشنطن أمام معضلة كلاسيكية: هل تواصل التصعيد لتحفظ هيبتها العسكرية، أم تتجه إلى تسوية تقلل النزيف المالي والاستراتيجي؟ فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة الطويلة.

ومن هذه الزاوية، فإن إيران، حتى دون امتلاك تفوق تقليدي، قد تراهن على استراتيجية "رفع الثمن" بدلًا من "تحقيق النصر"، أي جعل استمرار الحرب مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا لأمريكا وحلفائها.

ما وراء الأرقام

تكلفة 40 أو 50 مليار دولار ليست مجرد بند مالي؛ إنها مؤشر على طبيعة الصراع الجديد في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الحروب تُحسم بسهولة عبر الضربات الجوية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بمنظومات استنزاف متبادل، تشمل الاقتصاد، والطاقة، والبنية التحتية، والقدرة على الصمود السياسي.

وفي لحظة تشهد فيها المنطقة أصلًا توترات متصاعدة من غزة ــ حيث تواصل إسرائيل منذ أكتوبر 2023 حربًا مدمرة بدعم أمريكي مباشر ــ إلى لبنان، ثم إيران، فإن السؤال لم يعد فقط: من الأقوى عسكريًا؟ بل: من يستطيع تحمّل الكلفة الأطول؟

إمبراطورية باهظة الثمن

في النهاية، قد تكشف هذه الحرب، أكثر من أي شيء آخر، أن الهيمنة العسكرية الأمريكية، رغم اتساعها، أصبحت أكثر كلفة وتعقيدًا مما كانت عليه في العقود السابقة. فكل صاروخ دفاعي، وكل قاعدة متقدمة، وكل نظام رادار مدمر، يعني مليارات إضافية في معركة لا تُحسم بسهولة.

وهكذا، فإن ما يُقدَّم للرأي العام كعملية ردع أو استعراض قوة، قد يتحول في الواقع إلى استنزاف استراتيجي طويل، يثبت مرة أخرى أن الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بمن يبدأها، بل بمن يستطيع تحمّل فاتورتها حتى النهاية.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال