يرسم المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، صورة معقدة للتحولات البنيوية التي أصابت المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة نتيجة طول أمد العدوان العسكري والحصار الشامل.
حيث يرى أن الأزمة لم تعد مجرد حدث عابر، بل تحولت إلى عامل إعادة صياغة للتركيبة الاجتماعية؛ فقد أفرز هذا الواقع مشاكل عميقة تسببت في تآكل البنى الصلبة للعائلة الممتدة، التي كانت تاريخياً صمام الأمان للمجتمع، لتتحول اليوم إلى كيانات دفاعية منهكة تتنازع على بقايا الموارد الشحيحة في ظل سياسة التجويع الممنهجة، وهو ما أدى إلى ضعف سلطة القانون العرفي والعرف الاجتماعي القديم أمام "قانون إنساني" جديد تفرضه شبكات الإغاثة وتراتبيات الطوارئ، مما أفقد مؤسسات المجتمع المدني وساطتها التاريخية وحول الولاءات نحو احتياجات اللحظة الراهنة.
ويضيف شاهين أن هذا التحول أدى إلى انقسام المشهد المجتمعي إلى مستويين؛ نسيج يلتف حول المقاومة التي استمدت شرعيتها المتجددة من قلب المعاناة، وفئة أخرى تمثل "جماعة الصمت اليائس" التي تبحث عن ثغرة في جدار الحصار الإنساني، مما جعل العلاقات الاجتماعية تنزاح من مربع التضامن المقاوم التقليدي نحو مربع "التدافع من أجل البقاء"، وهذا التغيير ليس نتاجاً لضعف في الشخصية الفلسطينية، بل هو أثر مباشر ومقصود لسياسات الاحتلال التي تهدف إلى تدمير البنى التحتية للحياة اليومية وتحويل المجتمع من منتج للفعل السياسي إلى مستهلك للفعل الإغاثي، مما يضع الهوية الجمعية أمام تحدي الاندثار أو إعادة الاختراع تحت النار.
إدارة الانهيار المنظم: المؤسسات المحلية كخلايا نحل لإغاثة "الندرة"
وفيما يتعلق بقدرة المؤسسات المحلية على الصمود، يؤكد محمد مصطفى شاهين أن البلديات ولجان الزكاة والغرف الطارئة في غزة تظهر قدرة مدهشة على "الصمود الوظيفي" المستند إلى ذاكرة طويلة ومؤلمة في إدارة الكوارث، ومع ذلك، يشدد على أن هذه المؤسسات تعمل فيما يشبه "فضاء الانهيار المنظم"، فهي تمتلك الإرادة لكنها تفتقر إلى الأدوات والموارد السيادية في ظل حصار خانق، وقد تحولت هذه الكيانات إلى خلايا نحل إغاثية تدير "اقتصاد الندرة" وتوزع الألم بعدالة هشة بين المواطنين، في محاولة يائسة لمواجهة انسداد أفق التعافي وإعادة الإعمار، حيث يفرض الاحتلال شروطاً تبادلية تجعل كل جهد تنموي رهينة لمعادلات أمنية تحرم القطاع من أي تخطيط استراتيجي طويل المدى.
ورغم هذا الاستنزاف القاتل، يرى شاهين أن أنماط "الاقتصاد المقاوم" والمبادرات المجتمعية تنجح في إعادة اختراع وسائل محلية للعيش من تحت الرماد، مما يؤكد رفض غزة القاطع للتحول إلى مجرد "مساحة جيوسياسية لإدارة الفائض البشري" كما يخطط الاحتلال، إن هذا الصمود المؤسساتي ليس مجرد استجابة تقنية للأزمة، بل هو فعل سياسي بامتياز يعلن قطيعة معرفية مع سياسات التبعية، ويحاول بناء نموذج محلي متحدٍ للحصار، يرتكز على التكافل الشعبي والموارد المتاحة، لضمان استمرارية الوجود الفلسطيني على الأرض وإفشال مخططات التهجير الناعم أو الإفناء الجسدي والمؤسساتي.
المختبر النفسي القسري: نشوء جيل "الصلادة وتآكل الأمل"
ينتقل المحلل محمد مصطفى شاهين لتحليل الأبعاد النفسية الكارثية، محذراً من نشوء جيل كامل تحت وابل الصدمات المتوالية، جيل لا يعرف الطفولة إلا بوصفها "لحظة مشتبكة مع الموت"، وهو ما يرسخ اضطراب ما بعد الصدمة المعقد كحالة وجودية دائمة لا مجرد عَرَض عابر، وتنتج آلة الإبادة النفسية كتلة صلبة من البشر تتأرجح بين انسحاب اكتئابي يفرغ الإنسان من طاقته، وبين رغبة جامحة في الفعل، مما سيؤدي على المدى البعيد إلى تحويل الذاكرة الجمعية لمستودع غضب غير قابل للاحتواء، وسيفكك مفهوم "المستقبل الفردي" لصالح زمن دائم من الحلقات المفرغة، مما يفرز بنية شخصية جديدة تجمع بين صلادة الصمود وتآكل الأمل، لتصنع إنساناً فلسطينياً مقاوماً وعنيداً لا يقبل الضيم.
إن هذا المختبر النفسي القسري يعيد تعريف العلاقة بين الفلسطيني والصراع، فالتداعيات لن تقتصر على الأفراد بل ستمتد لتشكل هوية وطنية أكثر راديكالية وصلابة في مواجهة الاحتلال، فاليأس هنا لا يؤدي إلى الاستسلام بل إلى "انفجار الوعي" بالحق، حيث يدرك الشاب الغزي أن حياته وموته سيان في ظل الحصار، فيختار الموت بكرامة أو الحياة بمقاومة، وهذا التحول في بنية الشخصية الغزية هو ما يجهل الاحتلال فهمه، إذ يظن أن الضغط يولد الخضوع، بينما الحقيقة أن الضغط في غزة يولد طاقة انفجارية تعيد إنتاج الحق الفلسطيني بشكل أكثر تجذراً ورسوخاً في الأرض والذاكرة.
غزة كوقود جيوسياسي: استثمار المحاور وفشل الهيكل الأممي
وفي قراءة للبعد الإقليمي، يوضح شاهين كيف تحولت مأساة غزة إلى "وقود جيوسياسي" في حرب المحاور، حيث تستثمر أنظمة التطبيع هذا الجرح لتمرير صفقاتها الصامتة مع الاحتلال تحت ستار المساعدات الإنسانية.
ويرى أن المستفيد الأول هو الكيان الإسرائيلي الذي يحول القطاع إلى "سجن مفتوح" لإدارة الصراع وإدامة الانقسام الفلسطيني كذريعة أمنية تقتل أي أفق لتسوية سياسية عادلة، كما يستفيد فاعلون دوليون من إعادة إنتاج الحالة الإنسانية الطارئة لتبرير نظم المراقبة والتحكم، ولإخفاء الفشل الذريع للهيكل الأممي في فرض احترام اتفاقيات جنيف وحق تقرير المصير، مما يجعل من الملف الإنساني غطاءً لفشل سياسي وأخلاقي دولي.
ويطرح محمد مصطفى شاهين رؤية لبناء "نموذج تنموي سيادي" يبدأ باستعادة السيادة على فكرة التنمية نفسها، وتحويل إعادة الإعمار من ترميم للحجر إلى مشروع تحرر من التبعية الاقتصادية للاحتلال، ويرتكز هذا النموذج على "اقتصاد المقاومة" المستند للاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والتعليم الرقمي المتحدي للحصار.
ويشدد شاهين على أن غزة تمتلك تجارب ملهمة في الزراعة الحضرية والتصنيع الخفيف وسط الركام، لكنها تحتاج لإسناد عربي يكسر الحصار فعلياً، ولنخبة عربية تخلع ثوب التطبيع البالي وتعلن القطيعة مع سراب التنمية تحت الاحتلال، فالتنمية الحقيقية هي استعادة الإنسان الفلسطيني لقدرته على إنتاج حياته بكرامة، وهو الشرط الجيوسياسي الوحيد لانتصار الحق في تقرير المصير.










