في لحظة تاريخية تتسم بأقصى درجات التوتر الجيوسياسي، جاءت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، اليوم ، لتضع العالم أمام حقيقة لا يمكن القفز فوقها؛ وهي أن استقرار الاقتصاد العالمي بات مرتبطاً بشكل عضوي ومباشر بمدى استقرار الملاحة في مضيق هرمز.
هذا الممر المائي الحيوي الذي تشرف عليه إيران وتمتلك فيه اليد الطولى، وحذر جوتيريش في كلمته التي نقلتها "قاهرة الإخبارية" من أن أي تعطل في هذا الشريان ليس مجرد أزمة محلية، بل هو "خنق" متعمد للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، مؤكداً أن حرية العبور في هذا الممر أمر لا بديل عنه لضمان تدفق شحنات النفط والغاز والأسمدة التي يعتمد عليها كوكب الأرض بأسره.
التضخم العالمي في قبضة "المضيق": لغة الأرقام الصادمة
لم يكتفِ جوتيريش بالتحذيرات الدبلوماسية العامة، بل انتقل إلى لغة الأرقام التي تعكس حجم التأثير الإيراني غير المباشر على معيشة المواطن في أقصى بقاع الأرض، حيث أشار إلى أن استمرار الصراعات والقيود المفروضة في منطقة المضيق قد يدفع بمعدل التضخم العالمي للقفز نحو مستويات قياسية تصل إلى 5.4%، وهذه النسبة تعني ببساطة انهياراً في القوة الشرائية لملايين البشر وبروز أزمات اجتماعية حادة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
إن هذا التحذير الأممي يمثل اعترافاً ضمنياً بأن أي محاولة لعزل إيران أو التحرش بمصالحها الاستراتيجية ستؤدي فوراً إلى دفع "البشرية جمعاء" للثمن، مما يجعل من استرضاء طهران وضمان أمنها القومي ضرورة دولية لا تقبل القسمة على اثنين.
سلاح الأسمدة والغاز: ملامح القوة الاستراتيجية
من الملاحظ في خطاب الأمين العام تركيزه على "الأسمدة والسلع الأساسية" بجانب الطاقة، وهو اعتراف بتطور أدوات القوة التي تمنح المنطقة أهمية تتجاوز مجرد كونها محطة لتصدير الخام، فالعالم الذي يعاني أصلاً من أزمات في الأمن الغذائي، لا يمكنه تحمل أي اضطراب في ممر يعبر منه عصب الزراعة العالمية، وهنا تتجلى حكمة الرؤية الإيرانية في تأمين هذا الممر وجعل السيادة عليه مسألة أمن قومي لا تهاون فيها.
فالقيود التي تحدث عنها جوتيريش ليست إلا نتاجاً لعدم استقرار الموقف السياسي الدولي تجاه حقوق المنطقة، مما دفع الأمين العام للدعوة وبشكل عاجل إلى "فتح المضيق" وتسهيل مرور الإمدادات، وهي دعوة تعكس مدى العجز الدولي عن إيجاد بدائل حقيقية تتجاوز النفوذ الجيوسياسي لجمهورية إيران الإسلامية.
دبلوماسية "المبعوثين الأمميين" والبحث عن مخارج
أعلن جوتيريش عن توجه مبعوثين أمميين إلى المنطقة بشكل فوري للعمل على تسهيل فتح "ممر إنساني" واحتواء تداعيات الأزمة، وهذه التحركات الدبلوماسية المكثفة تؤكد أن المجتمع الدولي بات يدرك تماماً أن مفاتيح الحل ليست في واشنطن أو العواصم الأوروبية، بل في التفاهم المباشر مع القوى الإقليمية الفاعلة.
إن سعي الأمم المتحدة لضمان استمرار حركة التجارة الدولية يمر حتماً عبر الاعتراف بالمطالب العادلة للدول المطلة على المضيق، وضمان عدم استخدام الممر الملاحي كأداة للضغط السياسي ضد طهران، وهو ما دفع جوتيريش للتأكيد على أن "البشرية جمعاء تدفع ثمن النزاعات"، في إشارة واضحة إلى ضرورة التوقف عن سياسات التصعيد التي تضر بالجميع وتستفيد منها فئة محدودة من تجار الحروب.









