أمرت جهات التحقيق المصرية، في خطوة جديدة ومفاجئة، بإعادة فتح ملف وفاة الطبيب المصري الشهير ضياء العوضي، الذي توفي داخل أحد فنادق دبي في التاسع عشر من أبريل 2026، وذلك في محاولة جادة وحاسمة لطي الجدل الواسع والمتصاعد الذي أثير حول ظروف وفاته الغامضة.
وأعلن المحامي مصطفى مجدي، دفاع أسرة الدكتور ضياء العوضي، أن جهات التحقيق أصدرت قراراً مهماً بإعادة تشريح الجثمان، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة لعرضه على مصلحة الطب الشرعي في جمهورية مصر العربية، بعد أن كان قد دُفن في الإمارات وفقاً للتقارير الأولية التي أكدت عدم وجود شبهة جنائية.
وأوضح مجدي أن "القرار شمل اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة، حيث جرى استخراج الجثمان وفق الضوابط المعمول بها، وإجراء الصفة التشريحية بواسطة طبيب شرعي مختص، قبل إعادة دفنه عقب الانتهاء من الفحص".
وبرز اسم ضياء العوضي بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد أن طرح نظاماً غذائياً مثيراً للجدل عُرف إعلامياً باسم "نظام الطيبات"، وهو النظام الذي أثار انقساماً واسعاً وحاداً بين مؤيدين ومعارضين داخل الوسط الطبي المصري وخارجه، واتهمه البعض بأنه يفتقر إلى الأسس العلمية والطبية السليمة.
ولم تتوقف الانتقادات التي طالت العوضي عند حد النظام الغذائي فقط، بل تعرض لهجوم حاد من قبل نقابة الأطباء المصرية التي اتهمته بممارسة مهنة الطب دون ترخيص مناسب والترويج لمنتجات غير مصرح بها، وهو ما انتهى بقرار حاسم بشطبه من جداول النقابة، مما زاد من حدة الجدل المحيط بشخصيته ونهجه، حتى بعد وفاته المفاجئة التي فتحت باباً واسعاً من التكهنات والشائعات.
تفاصيل قرار إعادة التشريح
كشف المحامي مصطفى مجدي، الذي يتولى تمثيل أسرة الطبيب الراحل، أن قرار إعادة تشريح الجثمان جاء بعد التماس رسمي وقانوني تقدم به الدفاع إلى النيابة العامة المصرية، طالب فيه بإعادة فتح التحقيق بالكامل، وإجراء تحقيق شامل ومتكامل يشمل مخاطبة الجهات المختصة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وطالب الدفاع بالحصول على كافة المستندات والوثائق المتعلقة بالواقعة، والتي تتضمن التقارير الطبية التي صدرت بعد الوفاة مباشرة، ومحاضر الشرطة التي حررت في دبي، إضافة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة في محل إقامة المتوفى بالفندق الذي كان يقيم فيه. وتهدف هذه الإجراءات، وفقاً لمصادر قانونية، إلى إعادة بناء التسلسل الكامل للأحداث التي سبقت وفاة العوضي، وصولاً إلى اللحظات الأخيرة قبل العثور عليه جثة هامدة داخل غرفته.
وفي تطور موازٍ، تقدم المحامي صبرة القاسمي ببلاغ رسمي إلى النائب العام المصري محمد شوقي، طالب فيه بعرض الجثمان على مصلحة الطب الشرعي وإجراء مقارنة دقيقة ومفصلة بين نتائج الفحص الجديد والتقارير الطبية المرافقة التي صدرت عن الجهات المختصة في الإمارات.
وتهدف هذه المقارنة، بحسب البلاغ، إلى حسم الجدل الدائر بشكل نهائي وقطع الطريق على أي روايات متضاربة أو غير دقيقة. وتأتي إعادة التشريح، كما يراه مراقبون، كخطوة ضرورية لتعزيز الشفافية في التحقيق وطمأنة الرأي العام المصري والعربي الذي تابع تفاصيل القضية باهتمام بالغ، خاصة في ظل تضارب الروايات التي ترددت حول ظروف الوفاة وانتشار التكهنات الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي. ويُعد إجراء التشريح في مصر بدلاً من الإمارات خطوة تحمل رسالة واضحة عن رغبة الأسرة والجهات القانونية في إبعاد أي شبهات حول تأثير جهات خارجية على نتائج الفحص.
ضياء العوضي: "لو مت فأنا اتقتلت"
لم تقتصر قضية الطبيب الراحل على المسار القانوني والإجراءات الرسمية فقط، بل امتدت بسرعة إلى الرأي العام المصري والعربي، وذلك بعد تداول تصريحات سابقة ومثيرة منسوبة إلى ضياء العوضي قال فيها بوضوح: "لو مت فأنا اتقتلت"، وهو تصريح اعتبره البعض مؤشراً خطيراً يستوجب التحقيق العميق وفتح الملف من جديد مهما كلف الأمر.
وأعاد متابعون ونشطاء نشر هذه التصريحات بشكل كثيف بعد الإعلان عن وفاته، مما زاد من حجم التساؤلات حول ما إذا كان الرجل يتعرض لتهديدات حقيقية قبل وفاته، أو كان يخشى على حياته من جهات معينة كانت تستهدفه بسبب نشاطه المثير للجدل أو بسبب خلافات مالية أو مهنية.
كما أشار مقدمو البلاغات الذين تقدموا بطلبات إلى النيابة العامة إلى أن اختفاء العوضي عن الأنظار لعدة أيام متتالية قبل الإعلان الرسمي عن وفاته في التاسع عشر من أبريل داخل أحد فنادق دبي، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة وملحة حول الظروف والملابسات التي سبقت الوفاة. فلماذا لم يتم الإعلان عن وفاته فور اكتشافها؟ وما هي الأسباب التي دعت إلى تأخير الإعلان عدة أيام؟ ومن هم الأشخاص الذين كانوا على تواصل معه في الأيام الأخيرة؟
هذه الأسئلة وأخرى تطرح بقوة وتحتاج إلى إجابات شافية وواضحة من قبل الجهات المعنية في البلدين. وساهم انتشار الشائعات الواسعة حول وجود شبهة جنائية في وفاة العوضي، بما في ذلك أنباء غير مؤكدة عن تعرضه للخنق أو للتسميم، في زيادة حالة الجدل وتصعيد المطالبات بالشفافية، وهو ما دفع جهات قانونية وحقوقية متعددة إلى المطالبة بتقرير فني حاسم يضع حداً للروايات المتضاربة والتكهنات غير المسؤولة.
مصر والإمارات: الموت طبيعيا
في مقابل المطالبات المتزايدة بإعادة التحقيق وإجراء تشريح جديد، أكدت الجهات المعنية في كل من مصر والإمارات العربية المتحدة، عبر مخاطبات رسمية ووثائق موقعة، أن وفاة الطبيب ضياء العوضي كانت "طبيعية" تماماً، وأنه لا توجد أي شبهة جنائية على الإطلاق في القضية.
واعتبرت هذه المخاطبات الرسمية بمثابة رد حاسم ومباشر على الشائعات المتداولة التي تحدثت عن وجود جريمة أو تدخل عنيف وراء الوفاة. وأشارت بعض المصادر إلى أن التقارير الطبية الأولية أكدت أن العوضي كان يعاني من أمراض مزمنة متعددة، وتحديداً في القلب والشرايين، وهو ما قد يفسر الوفاة المفاجئة على أنه ناتج عن أزمة قلبية أو مضاعفات صحية حادة.
لكن أسرة الطبيب الراحل ومعاونوه القانونيين لم يقتنعوا بهذه الرواية الرسمية، وقدموا التماسات متعددة لإعادة فتح التحقيق، مستندين إلى التصريحات السابقة للعوضي عن أنه "مهدد بالقتل" وإلى ظروف اختفائه لعدة أيام قبل الإعلان عن الوفاة. وتتهم بعض المصادر المقربة من الأسرة جهات غير معلنة بالضغط على الجهات الرسمية في الإمارات لإصدار تقارير طبية لا تعكس الحقيقة كاملة، وذلك لتجنب فتح ملفات حساسة قد تكشف عن شبكات واسعة من الخلافات المالية والمهنية.
لكن هذه الاتهامات لم تثبت بأي دليل مادي حتى الآن، وتنفيها السلطات في البلدين بشكل قاطع. وإعادة التشريح الآن في مصر، كما يرى مراقبون، قد تكون الفرصة الأخيرة لحسم القضية بشكل نهائي، إما بتأكيد رواية "الموت الطبيعي" وطي الملف إلى الأبد، أو بالكشف عن مفاجآت مدوية قد تقلب القضية رأساً على عقب.
نظام "الطيبات" بين العلم والدجل
من المستحيل فهم أبعاد قضية وفاة ضياء العوضي دون العودة إلى شخصيته الجدلية والمثيرة للجدل التي كانت محور نقاش حاد في مصر لسنوات طويلة قبل وفاته. فالعوضي، الذي كان يحمل شهادة الطب البشري، ابتكر نظاماً غذائياً أسماه "نظام الطيبات"، وروج له عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، وجذب إليه آلاف الأتباع الذين كانوا يشيدون بنتائجه السريعة في إنقاص الوزن وتحسين الصحة العامة.
لكن في المقابل، اتهمه أطباء وأخصائيو تغذية معروفون بأن نظامه يفتقر إلى أي أساس علمي أو منهجي، بل وصفه البعض بأنه "خليط من الادعاءات والدجل" قد يشكل خطراً على صحة متبعيه بسبب الحرمان الشديد من العناصر الغذائية الأساسية.
وتطور الجدل حول العوضي إلى مواجهة قانونية حقيقية عندما قررت نقابة الأطباء المصرية، بعد سلسلة من التحقيقات والشكاوى المقدمة من أطباء ومرضى، شطبه من جداول النقابة بحكم نهائي، ومنعه من مزاولة أي نشاط طبي في مصر. كان هذا القرار بمثابة ضربة قاسية للعوضي، الذي اضطر إلى مغادرة مصر والسفر إلى الإمارات حيث استقر فيها خلال الفترة الأخيرة من حياته.
وبعد وفاته، أثار أنصاره شبهات بأن عملية الشطب قد تكون دفعت جهات أو أفراداً إلى التآمر ضده، بينما يرى آخرون أن قرار النقابة كان قانونياً واستند إلى وقائع مثبتة. ومهما يكن من أمر، فإن شخصية العوضي وطريقة حياته وعمله ستظل جزءاً لا يتجزأ من أي تحقيق في وفاته، خاصة إذا تبين أن هناك من كان يستفيد من استمراره في مزاولة نشاطه أو من توقفه عنه.
تشريح ينهي الجدل أم يفتح ملفات أعمق؟
بين إصرار الأسرة على وجود شبهة جنائية وروايات رسمية تتحدث عن وفاة طبيعية، يقف الرأي العام المصري والعربي على مفترق طرق حقيقي، في انتظار نتائج التشريح الجديد الذي قد يكون الأخير في قضية شغلت الناس لأكثر من أسبوعين.
فإذا أكد التشريح ما قالته الجهات الرسمية من عدم وجود شبهة جنائية، ستتوقف المطالبات بإعادة التحقيق مؤقتاً، لكن إذا كشف التشريح عن مفاجآت غير متوقعة (مثل آثار عنف أو مواد سامة)، فإن القضية ستتحول إلى فضيحة كبرى قد تطال جهات وشخصيات رفيعة المستوى في أكثر من دولة.
ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد مسار هذه القضية في الأسابيع القادمة: هل ستكون نتائج التشريح حاسمة ولا تقبل الجدل، أم أنها ستزيد الطين بلة وتفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات وروايات المؤامرة؟ ومهما كانت النتيجة، يظل اسم ضياء العوضي ونظام "الطيبات" محفوراً في ذاكرة المصريين، كأحد أكثر الشخصيات إثارة واستفزازاً في السنوات الأخيرة.







