20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

غياب خلف القضبان: لغز اختفاء الصحفيين الفلسطينيين في غزة وتحذيرات من "تصفية ممنهجة"

في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، تظل عائلات الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة عالقة في نفق مظلم من الحزن وعدم اليقين

بقلم: محمد خميس
٣ مايو ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
12 مشاهدة
مركز حقوقي يحذر من غموض مصير 3 صحفيين

مركز حقوقي يحذر من غموض مصير 3 صحفيين

في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، تظل عائلات الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة عالقة في نفق مظلم من الحزن وعدم اليقين، حيث يرتفع صوت الصمت فوق كل اعتبار إنساني أو قانوني.

 لقد تحول "الدرع الواقي" الذي يحمل كلمة "صحافة" من رمز للحماية الدولية إلى هدف مباشر في قلب الميدان، مما يطرح تساؤلات مرعبة: أين نضال الوحيدي؟ وأين هيثم عبد الواحد وأحمد الأغا؟ هؤلاء الذين خرجوا لنقل الحقيقة وصناعة الخبر، فأصبحوا هم الخبر الذي يخشى الجميع سماع تفاصيله. 

ومع مرور أكثر من 940 يوماً على اختفاء بعضهم، يحذر المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً من أن هذا الغموض ليس مجرد صدفة حربية، بل هو سياق ممنهج يهدف إلى وأد الكلمة وتغييب الشهود على الجرائم المرتكبة، في ظل صمت دولي مريب يشرعن "الإخفاء القسري" كأداة قمعية فتاكة تتجاوز حدود الخيال البشري.

استهداف ممنهج للجسم الصحفي: رسائل ترهيب وتغييب الشهود

أكد المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً في بيانه الأحدث، أن ما يتعرض له الصحفيون في قطاع غزة يتجاوز كونه أضراراً جانبيّة للعمليات العسكرية، ليصل إلى مرحلة الاستهداف الممنهج والمباشر لتقويض القدرة على التغطية الإعلامية.

 لقد شهدت الفترة منذ أكتوبر 2023 تصعيداً غير مسبوق في استهداف الصحفيين، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد أكثر من 262 صحفياً وإصابة المئات، مما يجعل قطاع غزة المكان الأكثر خطورة على الصحفيين في العصر الحديث. 

إن اختفاء الزملاء نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد وأحمد الأغا ليس مجرد حالات فردية، بل هو جزء من استراتيجية "تعمية الحقيقة" التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي لمنع توثيق الانتهاكات المستمرة ضد المدنيين، مما يضع المؤسسات الحقوقية والدولية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها في حماية حرية الصحافة المنصوص عليها في المواثيق الأممية واتفاقيات جنيف التي تمنح الصحفيين صفة المدنيين المحميين.

لغز حاجز بيت حانون: 940 يوماً من التغييب القسري للوحيدي وعبد الواحد

تعد قضية الصحفيين نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد من أكثر القضايا إيلاماً وغموضاً في تاريخ الصحافة الفلسطينية، حيث فُقد أثرهما قرب حاجز بيت حانون/إيرز شمالي قطاع غزة في ظروف دراماتيكية. 

لقد كان الزميلان يرتديان السترات الصحفية الواضحة ويحملان معداتهما المهنية الكاملة، مما ينفي أي ذريعة لاستهدافهما، ومع ذلك انقطع الاتصال بهما تماماً عقب غارات جوية إسرائيلية مكثفة استهدفت موقعهما، وهي الغارات ذاتها التي أدت إلى استشهاد زميلهما إبراهيم لافي في المكان ذاته.

 إن مرور نحو 940 يوماً دون معلومة رسمية واحدة من سلطات الاحتلال حول مصيرهما يفتح الباب أمام احتمالات قاتمة، تتراوح بين القتل المتعمد أو الاحتجاز السري في مراكز اعتقال مجهولة، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني الذي يجرم الإخفاء القسري ويُلزم الدول بالإفصاح عن أماكن وجود المعتقلين وضمان التواصل مع عائلاتهم والمحامين.

اختفاء أحمد الأغا في خانيونس: الغموض يكتنف مصير صحفي أبراج حمد

لم تقتصر مأساة الاختفاء القسري على شمال القطاع، بل امتدت لتطال الصحفي أحمد الأغا في خانيونس جنوباً، حيث انقطع أثره في الثالث من مارس 2024 إثر اقتحام قوات الاحتلال لأبراج حمد السكنية. 

الروايات الميدانية تشير إلى أن عائلته، وبعد انسحاب القوات من المنطقة، قامت بعمليات بحث مضنية داخل الشقة التي كان يتواجد فيها دون العثور على جثمانه، كما أن اسمه لم يظهر في أي من قوائم المعتقلين الرسمية أو غير الرسمية التي تداولتها المؤسسات الحقوقية. هذا الاختفاء يضيف طبقة جديدة من الرعب لعائلات المفقودين، حيث يعيشون حالة من "الموت المعلق" وعدم اليقين، تتأرجح بين الأمل في بقائه حياً خلف القضبان وبين الخوف من كونه ضحية لعملية تصفية ميدانية أخفت معالمها آلة الحرب، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً للضغط على سلطات الاحتلال للكشف عن مصير كافة المفقودين وتسليم قوائم بأسماء المعتقلين من قطاع غزة.

إفادات المفرج عنهم: بصيص أمل وسط جحيم مراكز الاحتجاز

رغم الغموض الرسمي، برزت خلال الأشهر الماضية إفادات غير رسمية من معتقلين مفرج عنهم من السجون الإسرائيلية، تحدثوا فيها عن مشاهدات محتملة للصحفيين المفقودين داخل مراكز الاحتجاز والتحقيق. 

هذه الإفادات، وإن كانت تفتقر إلى التوثيق الرسمي، إلا أنها تمثل بصيص أمل لعائلات الوحيدي وعبد الواحد والأغا، وتؤكد في الوقت ذاته أن الاحتلال يتعمد إخفاء هؤلاء الصحفيين في ظروف قاسية لعزلهم عن العالم الخارجي. إن هذه الشهادات تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مرة، وهي أن هناك مئات الفلسطينيين، ومن بينهم صحفيون، يُحتجزون في "ثقوب سوداء" قانونية دون توجيه تهم أو عرض على المحاكم، مما يعيد للأذهان أسوأ فترات الانتهاكات الحقوقية في التاريخ المعاصر، ويستوجب من الاتحاد الدولي للصحفيين وكافة المنظمات المدافعة عن حرية التعبير التدخل الفوري لزيارة هذه المراكز والاطمئنان على سلامة الزملاء المختطفين.

حماية الصحفيين في القانون الدولي: نصوص غائبة وتطبيق معطل

تمنح المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الصحفيين الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة حماية قانونية مماثلة لتلك الممنوحة للمدنيين، ويُحظر تماماً استهدافهم أو احتجازهم قسراً. إلا أن الواقع في قطاع غزة يثبت أن هذه النصوص تظل حبراً على ورق أمام القصف الإسرائيلي الممنهج. 

إن تعمد استهداف من يرتدون شارات الصحافة يُعد "جريمة حرب" مكتملة الأركان وفقاً لميثاق روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية. إن صمت المؤسسات الدولية عن محاسبة مرتكبي هذه الجرائم يشجع على استمرار سياسة الإخفاء القسري، ويجعل من مهنة المتاعب ضريبة باهظة يدفعها الصحفي الفلسطيني من حياته وحريته فقط لأنه اختار أن يكون عيناً للحقيقة في وجه الاحتلال، مما يتطلب تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لكشف مصير المختفين ومحاسبة المتورطين في تصفية الجسم الصحفي.

صرخة عائلات المفقودين: ألم الانتظار ومطالبات بالتحرك العاجل

خلف كل اسم صحفي مفقود هناك عائلة تعاني ويلات الانتظار القاتل، وأمهات يرقبن الباب كل ليلة آملين في عودة أبنائهن. إن الحالة النفسية القاسية التي تعيشها عائلات الوحيدي وعبد الواحد والأغا تفوق الوصف، حيث يتفاقم الألم بفعل غياب المعلومات وانقطاع سبل التواصل. تطلق هذه العائلات، عبر المركز الفلسطيني للمفقودين، نداءات استغاثة للعالم بأسره: "لا تتركونا وحدنا في هذا الصمت".

 إن استمرار إخفاء هؤلاء الصحفيين هو جريمة مستمرة ضد الإنسانية، ولن يتوقف هذا النزيف إلا بضغط دولي حقيقي يكسر جدار السرية التي يحيط بها الاحتلال ملف الأسرى والمفقودين من غزة.

 إننا في اليوم العالمي لحرية الصحافة، نطالب بأن تكون قضية هؤلاء الزملاء على رأس أجندة المجتمع الدولي، فالحرية للصحافة تبدأ بضمان الحرية لمن يمارسها، وحماية من يسعون لنقل الحقيقة من غياهب الاختفاء والنسيان.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال