تكشف قراءة تحليلية نشرها الصحفي الإسرائيلي آفي أشكنازي عن حالة قلق عميق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في ظل تصاعد المواجهة مع إيران ومحورها الإقليمي، وتزايد الشكوك حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية. فالمعركة، كما يراها ضباط كبار في الجيش، لم تعد تقاس بعدد الضربات أو العمليات، بل بمدى القدرة على تحقيق هدفين مركزيين: إضعاف النظام الإيراني ومنع تقدمه في الملف النووي، وهي أهداف تبدو، وفق هذا الطرح، بعيدة عن التحقق حتى الآن.
وبحسب ما نقله أشكنازي، فإن ضابطًا رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي أقرّ بشكل صريح أن عدم إسقاط النظام الإيراني أو إخراج اليورانيوم المخصب من أراضيه يعني فشلًا واضحًا في الحرب. هذا التقييم يعكس إدراكًا داخليًا بأن العمليات العسكرية، مهما بلغت شدتها، قد تبقى بلا قيمة استراتيجية إذا لم تؤدِ إلى تغيير جذري في موازين القوة أو تقويض المشروع النووي الإيراني.
رهان معلق على واشنطن
في قلب هذا المشهد، يبرز الدور الأمريكي كعامل حاسم في تحديد مسار المواجهة. إذ يشير التحليل إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لا يزال يصر على هدف إخراج اليورانيوم المخصب من إيران ومنع استمرار برنامجها النووي، لكنه في المقابل يتصرف بوتيرة بطيئة، لا تعكس حجم التحركات الإيرانية المتسارعة على الأرض، سواء داخل حدودها أو في ساحات إقليمية متعددة.
هذا التباطؤ الأمريكي، وفق الرؤية الإسرائيلية، يثير مخاوف من ضياع الزخم العسكري والسياسي، خاصة في ظل تحركات إيرانية مستمرة في الخليج والشرق الأوسط، وربما في مناطق أخرى، ما يعزز من موقع طهران بدلًا من تقويضه. وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، مرتبطة بقرارات واشنطن التي لا تزال تتردد في الانتقال إلى مرحلة أكثر حسمًا.
جبهة لبنان المشتعلة
على الجبهة الشمالية، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من تطور المواجهة مع حزب الله، في ظل استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار. هذه الحالة تعكس واقعًا ميدانيًا هشًا، حيث تستمر العمليات العسكرية بوتيرة يومية، ما يبقي الجبهة مفتوحة على احتمالات التصعيد.
في هذا الإطار، تدرك إسرائيل، بحسب التحليل، أنها مضطرة لمنح المسار السياسي في لبنان فرصة للتحرك وفق الخطة الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته مطالبة عسكريًا بالدفاع عن نفسها، واستهداف ما يُعرف بـ”مراكز الثقل” لدى حزب الله عبر عمليات دقيقة تعتمد على معلومات استخبارية متقدمة. ويبرز هنا دور شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” في تتبع سلاسل الإمداد، خاصة تلك المرتبطة بالطائرات المسيّرة، والعمل على تدميرها بدل الاكتفاء بملاحقة الأهداف الجوية بشكل فردي.
تكتيك بلا حسم
يشير التحليل إلى أن الجيش الإسرائيلي، رغم تفوقه العسكري الواضح مقارنة بحزب الله، يواجه معضلة تتعلق بتحقيق الحسم. فالمشكلة ليست في القدرة على توجيه الضربات، بل في تحقيق أثر استراتيجي طويل الأمد. فملاحقة المسيّرات أو الأهداف الصغيرة لا تحقق نتائج حاسمة، بينما المطلوب هو تفكيك المنظومات بالكامل، كما حدث سابقًا مع وحدة 127 التابعة لحزب الله، والتي كانت مسؤولة عن تطوير قدرات الطائرات المسيّرة.
هذا الطرح يعكس تحولًا في التفكير العسكري الإسرائيلي، من التركيز على “الأهداف التكتيكية” إلى ضرورة ضرب البنية الكاملة للقدرات العسكرية لدى الخصوم، وهو أمر يتطلب وقتًا، ودقة، وغطاءً سياسيًا أوسع.
المتغير السوري
في موازاة ذلك، يسلط التحليل الضوء على الساحة السورية، حيث يشير إلى أن النظام في سوريا يعيد بناء جيشه بهدوء، انطلاقًا من شرق لبنان. ورغم أن هذا النظام يرى حاليًا في حزب الله خصمًا، فإن التحولات السريعة في الشرق الأوسط تجعل من الصعب الاعتماد على ثبات هذا الموقف.
ويحذر الضابط الإسرائيلي من أن أي تعاظم عسكري سوري، خاصة إذا جرى بدعم تركي، قد يشكل تهديدًا إضافيًا، ما يفرض على إسرائيل البقاء في حالة جاهزية دائمة، وعدم السماح بتشكل موازين قوة جديدة على حدودها دون رد.
دروس ما قبل أكتوبر
يستحضر التحليل أيضًا تجربة ما قبل أكتوبر 2023، حين كانت إسرائيل، بحسب وصف الضابط، “تجلس على الجدار”، معتقدة أن الوضع مستقر، وأن حماس مردوعة في الجنوب، بينما كانت في الواقع تواجه تصاعدًا تدريجيًا في قدرات “محور المقاومة”.
هذا التقييم يحمل نقدًا ضمنيًا للقيادة العسكرية والسياسية، التي فشلت في قراءة التحولات الاستراتيجية، واكتفت بمؤشرات سطحية مثل ازدهار السياحة في الشمال، دون الانتباه إلى التهديدات المتنامية.
رهان على ضربة أمريكية
في ختام التحليل، تشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أن الولايات المتحدة قد تتجه في نهاية المطاف إلى تنفيذ ضربة عسكرية محدودة ضد أهداف في إيران، بهدف دفعها إلى اتخاذ قرارات حاسمة بشأن برنامجها النووي. لكن هذا السيناريو لا يزال غير محسوم، ويخضع لحسابات سياسية معقدة داخل الإدارة الأمريكية.
ويخلص الطرح إلى أن غياب مثل هذه الخطوة قد يعني، من وجهة نظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فشلًا في الحرب، لأن الأهداف الأساسية لن تتحقق، وستبقى إيران قادرة على تطوير برنامجها النووي، وتعزيز نفوذها الإقليمي.
مأزق القوة
تعكس هذه القراءة الإسرائيلية حالة من التناقض بين التفوق العسكري والقلق الاستراتيجي، حيث تمتلك إسرائيل أدوات القوة، لكنها تفتقر حتى الآن إلى القدرة على تحويلها إلى إنجاز سياسي حاسم. وفي ظل استمرار الحرب، والدعم الأمريكي المباشر، والتصعيد على أكثر من جبهة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه القوة إلى حسم، أم إلى استنزاف طويل يعيد إنتاج الفشل بصيغ مختلفة؟









