ليست عبارةُ "سنبدأُ فصلًا جديدًا" مجرّدَ تصريحٍ عسكريٍّ عابر، بل هي لغةٌ مُشفَّرة في قاموس الصراعات الحديثة، تُستخدم حين تريدُ دولةٌ ما أن تُعلن انتقالًا في مستوى المواجهة دون أن تُفصح عن شكلِ هذا الانتقال. إنها رسالةٌ مركّبة، موجّهة في آنٍ واحد إلى الخصوم، والحلفاء، والأسواق، وحتى الداخل.
في هذا السياق، تداولت بعض المنصّات الإعلامية عبارة منسوبة إلى الجيش الإيراني جاء فيها: “سنبدأُ فصلًا جديدًا، فصلًا لم يشهد الأعداء مثله من قبل.” ورغم غياب تأكيد رسمي واضح لهذه العبارة، إلا أن تداولها بهذا الزخم يعكس مناخًا إقليميًا مشحونًا، حيث تتقدّم الحرب النفسية جنبًا إلى جنب مع الوقائع الميدانية، وتُستخدم الكلمات كأدوات ضغط لا تقلّ تأثيرًا عن الصواريخ.
من غير المرجّح أن يكون المقصود حربًا مفتوحة فورًا، لأن كلفة هذا الخيار على الجميع هائلة، لكن الأقرب إلى الواقع هو تصعيدٌ محسوب يتجلّى في ضرباتٍ أكثر دقّة وتأثيرًا، وتوسيعٍ مدروس لدائرة الأهداف لتشمل مراكز حساسة اقتصاديًا، مع تكثيف العمليات بشكلٍ متزامن لإرباك الخصوم وهنا تتحوّل الرسالة إلى معادلة واضحة مفادها أن الضغط لن يبقى أحادي الاتجاه، بل سيُقابل بتوسيع دائرة الكلفة لتطال الجميع.
القوة في هذا النوع من التصريحات لا تكمن فيما يُقال فقط، بل فيما يُترك عمدًا دون تحديد، فالغموض المقصود يخلق حالة ترقّب دولية، ويُربك حسابات الرد، ويضغط على الأسواق العالمية، خصوصًا في ما يتعلّق بالطاقة والملاحة، حيث يصبح مجرد التلويح بمرحلة جديدة كافيًا لإحداث ارتدادات تتجاوز الميدان إلى الاقتصاد العالمي.
أي انتقال إلى ما يُسمّى "فصلًا جديدًا" يعني عمليًا أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر هشاشة، ترتفع فيها احتمالات الاحتكاك المباشر، وتتزايد المخاوف على الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، حيث لا تعود الخطوط غير المعلنة التي كانت تضبط الإيقاع كافية لمنع الانزلاق.
أما لبنان، فلا يمكنه أن يتعامل مع هذا المشهد كأنه بعيد عنه، فهو بحكم موقعه وتركيبته جزء من توازنات الإقليم، شئنا ذلك أم أبينا. فالتصعيد، حتى وإن بقي مضبوطًا، ينعكس داخليًا على شكل توتر أمني متزايد، وضغط اقتصادي إضافي مع أي ارتفاع في أسعار الطاقة، فضلًا عن عودة الانقسام السياسي الحاد إلى الواجهة بين من يقرأ ما يجري كجزء من معركة أوسع، ومن يراه تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة.
ورغم كل ذلك، لا يزال هناك هامش لتجنّب الانفجار الكبير، إذ تُظهر التجارب أن كثيرًا من المراحل التي وُصفت بأنها "جديدة" انتهت إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك دون الوصول إلى حرب شاملة، غير أن الرهان على هذا الاحتمال وحده يبقى محفوفًا بالمخاطر، لأن الخطأ في لحظة توتر عالية قد يكون كافيًا لإشعال ما لا يمكن احتواؤه.
في المحصلة، لا يبدو أن العبارة إعلان حرب بقدر ما هي إعلان انتقال من مرحلة الضبط النسبي إلى مرحلة اختبار الحدود، حيث تصبح الرسائل أكثر حدّة، والهامش بين التصعيد والانفجار أضيق. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في القرارات الكبرى وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة التي قد تتحول إلى شرارة. أما لبنان، فليس أمامه ترف الانتظار، بل ضرورة تحصين نفسه داخليًا، لأن أخطر ما في العواصف الإقليمية ليس قوّتها...بل هشاشة الداخل في مواجهتها.










