20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

خالد سعيد نزال يكتب: مشنقة القدر.. حين تتمرد الجغرافيا على حتمية السياسة

لكل سلطةٍ لاهوتُها الخفي، ولكل نظامٍ سياسي «قدرٌ» يصنعه بعناية ليُلبس رعاياه ثوبَ اليقين. ليست اللاهوتات إلا سياساتٌ ارتدت أثوابًا مقدسة، وليست السياسات إلا لاهوتاتٍ نزلت من منصات القرار لتعيش بين البشر، تُفسر التاريخ، وتُبرر الحاضر

بقلم: خالد سعيد نزال
٥ مايو ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
28 مشاهدة
حين تتمرد الجغرافيا على حتمية السياسة

حين تتمرد الجغرافيا على حتمية السياسة

كهنة الضرورة وسرديات المصير

لكل سلطةٍ لاهوتُها الخفي، ولكل نظامٍ سياسي «قدرٌ» يصنعه بعناية ليُلبس رعاياه ثوبَ اليقين. ليست اللاهوتات إلا سياساتٌ ارتدت أثوابًا مقدسة، وليست السياسات إلا لاهوتاتٍ نزلت من منصات القرار لتعيش بين البشر، تُفسر التاريخ، وتُبرر الحاضر، وتُغلق باب المستقبل على إرادةٍ واحدة: إرادة من يملك السلاح والسرد. منذ أن انبثق الفكر كشعلةٍ في العقل، وهو في صراعٍ أبدي مع من يريدون ترويضه ليكون كلب حراسةٍ لممالكهم.

في هذا المختبر الدائم بين الفلسفة والحكم، لم تكن الجبرية والقدرية مجرد جدلٍ كلاميٍ عن أفعال العباد، بل كانتا أول تقنياتِ الحكم النفسي في التاريخ الإسلامي. الجبرية، التي تُحيل الظلم إلى مشيئةٍ لا تُسأل، والقدرية، التي تضع المسؤولية على عاتق الفاعل، لم تنفصلا يومًا عن سؤال السلطة من يملك الحق في مساءلة الحاكم؟ حين يروّج النظام للجبر، فإنه لا يبيع عقيدة، بل يبيع سكونًا. وحين يُسكت القدرية، فإنه لا يرد على متكلم، بل يقطع يد التاريخ عن الكتابة.

اليوم، وفي خضمّ تحولاتٍ جيوسياسية تعيد رسم خرائط النفوذ، يعود سؤال الإرادة الحرة ليُطرق أبواب الخليج ليس بفتاوى، بل بصواريخ، وبتحالفات، وبجغرافياٍ ترفض أن تكون رهينةً لوعودٍ خارجية. النظام السياسي المعاصر، شأنه شأن أسلافه، لا يزال يستعين بصناعة «أقدارٍ مُفبركة»: قدر الحماية الأمريكية، قدر التحالف الحتمي، قدر الاستثناء الأمني. لكن الأرض، كالفكر، لا تطيع الجبر طويلاً. وحين تتآكل الضمانات، وتتبدل الموازين، وتُعيد الشعوب حساباتها، تبدأ الخرائط في الهمس بغير ما كُتب لها.

١. لاهوتُ الإرادة ومشنقةُ الدولة: حين يكون الجبرُ أداةَ حكم

في زوايا الذاكرة الإسلامية، يقف معبد الجهني وغيلان الدمشقي ليس كمجرّد متكلّمين، بل كأول من حوّل السؤال اللاهوتي إلى مشروعٍ سياسي. لم يقل معبد «لا قدر، والأمر أنف» ليهزّ أركان العقيدة، بل ليهزّ أركان العرش. كانت عبارته تفجيرًا ثوريًا للمسؤولية الفردية في وجه سرديةٍ رسميةٍ كانت تقول: «هذا قدر الله، والأمير ظل الله، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوت القدر». إذا كان الإنسان حرًا، فالظلم ليس قدرًا إلهيًا، بل قرارًا بشريًا قابلًا للمحاسبة. وهو ما لم تتحمله السلطة الأموية.

جاء غيلان ليُحوّل العقيدة إلى برنامجٍ نقديٍ صريح. تجرأ على الكتابة للخليفة، وربط بين فساد الحكم والانحراف عن العدالة، وطالب برد المظالم والأموال المنهوبة. كانت ذروة المواجهة بين حرية الضمير وجبروت الدولة التي لا تقبل المساءلة. وسقط الرجلان لا لأنهما أنكرا الله، بل لأنهما أنكروا الجبر الذي يبرّر الطغيان. قطعت أيديهما، وصلب جسدهما، ليس لقتل فكرة، بل لقتل فكرةٍ تُنتج مواطنين يسألون، وحكامًا يُحاسبون، وتاريخًا لا يُقدّس فيه الحاكم.

هنا يكمن الدرس الخالد: السلطة لا تسقط بالسيوف فحسب، بل تسقط بالأسئلة التي ترفض أن تُصمت. ومشنقة القدر لم تُبنَ من خشبٍ وحسب، بل من سردياتٍ تُعلّم الرعايا أن ينتظروا، لا أن يختاروا.

٢. قدرٌ مستورد: جغرافيا ترفض أن تكون رهينة

انظر الآن، بعد ألفٍ وثلاثمئة عام، إلى مشهدٍ آخر. أبراج زجاجية تلمع فوق سواحل الخليج، واجتماعات مغلقة، وشاشات تتابع مسارات طائراتٍ مسيرة، وتحالفات تُصاغ في عواصم بعيدة. في تلك اللحظة، تتجسد مأساة معبد وغيلان بشكلٍ كونيّ معاصر. لقد تحوّلت دولٌ بأكملها إلى «غيلان جماعي»، لكن بانعكاسٍ درامي: بدل أن يطالبوا بالإرادة الذاتية، سلّموا مفاتيحها لغيرهم.

رهنت الأنظمة الخليجية أمنها القومي على «قدر» الحماية الخارجية، معتقدةً أن هذا هو الطريق الحتمي للأمان. قالت لشعوبها: هذا قدرنا، أن نكون حلفاء للقوة العظمى، أن نكون واحة المال والأمان في صحراء الفوضى. لكن الحرب الإقليمية أعادت إنتاج هذا المأزق بشكلٍ معاصر، بانقلابٍ في الأدوار: من فاعلٍ يسعى للهيمنة إلى مفعولٍ به ينتظر مصيره في صراع الإمبراطوريات. إيران لا تفرّق بين من يشارك في الحرب، ومن يسمح باستخدام أراضيه. والجغرافيا، مثل فكر معبد، لا تؤمن بالاستثناءات. المضايق، والسواحل، والحدود المتقابلة، ليست خطوطًا على الخريطة، بل عروقًا تنبض بالحتمية التاريخية.

لقد اكتشف الجسد الخليجي، الممتد من الكويت إلى مسقط، فجأة أنه ليس جسدًا سماويًا معصومًا، بل هو جسدٌ قابل للجرح، بل للصلب على أبواب المضائق. وهم الاستقرار المطلق، الذي بُني على أبراجٍ من زجاج ووعودٍ من حديد، انكشف حين عادت عواقب الفعل لتقرع الأبواب.

٣. تشقّق اليقين: عندما يعود الغيلانُ بصواريخ ومسارات

إن مأساة غيلان لم تكن في صلبه فحسب، بل في اللحظة التي سبقت الصلب، حين ظنّ خصومه أنهم بقتله قد قتلوا الفكرة. ها هي الأنظمة الخليجية اليوم تكرر الخطيئة نفسها، لكن بصورةٍ عكسية. تظن أنها بقتل إرادتها الذاتية، وبتسليم مفاتيحها لواشنطن، قد اشترت الأبد. تظن أن «القدر» الخارجي سيحميها من «قدر» الجغرافيا والتاريخ. لكن الرياح لا تجري بما تشتهي سفن النفط ، وأمواج الخليج لا تهدأ لأن على ضفافها أبراجًا من زجاج.

التصدع الداخلي ليس حدثًا طارئًا، بل نتيجةٌ حتمية لإنكار المسؤولية. انسحاب الإمارات من «أوبك» ليس مجرد خلافٍ تقني على الحصص، بل تجسيدٌ للفكرة الغيلانية بأن الأفعال الخاطئة تؤدي إلى التفكك. الشرخ الاستراتيجي بين العواصم الخليجية يكشف أن الجبهة التي طالما تغنّت بالوحدة في مواجهة الخطر الخارجي هي في الحقيقة هشة، مليئة بالتناقضات، ومرهونة بحساباتٍ ضيقة تتجاوز الأمن القومي إلى البقاء النخبوي.

الوهم الاستراتيجي لا ينهار فجأة، بل يتآكل كفيروسٍ يأكل في جدران اليقين حتى يصبح البرج الزجاجي أشد هشاشة من بيت العنكبوت. الاستقرار الذي يُبنى على رهانٍ خارجي ليس قدرًا محتومًا، بل هشاشة مؤجلة. وحين تتكشف الهشاشة، لا يسقط النظام بالضرورة في ليلةٍ واحدة، بل يفقد بريقه، ثم شرعيته، ثم قبضته.

٤. تآكلٌ لا صلبٌ: طبيعة المأساة السياسية المعاصرة

هنا نصل إلى جوهر السؤال: هل ستنتهي سياسات النظام الخليجي بشكلٍ مأساوي كما انتهى الدمشقي والجهني؟ الفارق الجوهري بين مأساة الفرد ومأساة الدولة هو أن النهايات في السياسة نادرًا ما تكون حادة وفردية مثل الصلب على باب دمشق. بل هي أقرب إلى عملية تآكل بطيء ومعقد، وإلى تشقّقٍ في الروايات، وبالتالي فقدانٍ تدريجي للسيطرة على السردية نفسها.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه. مصير معبد وغيلان كان مأساة فردية لرفضهما «قدر» السلطة. أما مصير الأنظمة الخليجية، إذا استمرت في إنكار مسؤوليتها عن أفعالها، ووضع أمنها في يد «القدر» الأمريكي، فسيكون مأساة جماعية: ليس صلبًا جسديًا، بل تآكلًا بطيئًا للشرعية، للاستقرار، وللسيادة الفعلية. السيناريو الكارثي ليس انهيار إيران كدولة قومية فحسب، بل غرق المنطقة في فوضى لا تبقي ولا تذر، ودخول الخليج في متاهة استراتيجية طويلة الأمد لا يرى فيها أحد مخرجًا، تمامًا كالمتاهة التي دخلها غيلان عندما اختار مواجهة السيف بالكلمة.

في كلا المشهدين، القديم والمعاصر، يبقى الدرس واحدًا: إنكار حرية الإرادة والمسؤولية، سواء تجاه الله أو تجاه الشعوب، هو الطريق الأقصر إلى الهاوية. السياسة التي ترفض المحاسبة، والتي ترى نفسها فوق «القدر»، تحمل في داخلها بذور فنائها. لكن الأنظمة لا تسقط لأن الأقدار ضدها، بل لأنها تتخلى عن الإرادة التي صنعتها في البداية.

الخاتمة: بين إرادة التغيير وهم المصير الجاهز

لا تسقط العروش لأن الجغرافيا تخونها، بل لأنها تظن أن الجغرافيا يمكن شراؤها، أو ترويضها، أو استبعادها من معادلة البقاء. غيلان ومعبد لم يُعدما لأنهما أنكرا الله، بل لأنهما أنكروا الجبر الذي يبرّر الطغيان. والخليج اليوم، بين إيران المتغيرة، والعالم المتحول، والداخل المطالب بالمستقبل، يقف على مفترقٍ سردي: إما أن يظل أسير رواية القدر المُفروض، فيستنزف نفسه في إدارة خوفٍ لا نهاية له، أو أن يستعيد إرادة السياسة كفعلٍ واعٍ، يقرّ بالتعقيد، ويتفاوض مع التاريخ، ويصنع مصيره لا ينتظره.

الفلسفة لا تموت حين تُسكت أصواتها، بل تتحول إلى سؤالٍ صامتٍ يتردد في أروقة القرار. والسؤال اليوم ليس: هل سينتهي المطاف بمأساة؟ بل: هل ستختار الأنظمة أن تكون فاعلة في تاريخها، أم ستظل تنتظر قدرًا لا يكتبه إلا من يملك الإرادة أن يكتبه؟ الجغرافيا لا تكتب قدرًا، ولا السياسة تبقى دون أن تختار. والتاريخ، كالنهر، لا يعود إلى المنبع، لكنه يغرف دائمًا من يد من يجرؤ على الغوص.

هوامش ومراجع توثيقية

¹ معبد الجهني (ت. 80 هـ/ 699 م)، أول من جهر بنفي القدر في البصرة. انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق، ص. 119؛ الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج1، ص. 10.
² غيلان الدمشقي (ت. 106 هـ/ 724 م)، قُتل في عهد هشام بن عبد الملك بعد دعوته العلنية لمحاسبة الخليفة ورد المظالم. انظر: الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج7، ص. 287؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج9، ص. 234.
³ التحالفات الدفاعية الخليجية-الأمريكية الثنائية منذ 1991 (الكويت، البحرين، قطر، الإمارات)، وتوسع الأسطول الخامس في المنامة. انظر: Steven Wright, The United States and the Persian Gulf Security (Oxford, 2007), pp. 89-134.
⁴ استراتيجية إيران في «الدفاع المتقدم» عبر شبكات الوكلاء الإقليميين لتجنب المواجهة المباشرة. انظر: International Crisis Group, Iran’s Regional Strategy (2023); Ali Alfoneh, Iran's Revolutionary Guards and the War in Syria (AEI Press, 2021).
⁵ التصدعات الهيكلية داخل مجلس التعاون الخليجي وخلافات أوبك+ (2017-2026) كعلامات على تآكل التكتيك الجماعي. انظر: Kristian Coates Ulrichsen, The Gulf States in International Political Economy (Oxford, 2024), pp. 201-245.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

خالد سعيد نزال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير