دعت الحكومة الفلسطينية، يوم الثلاثاء الموافق 5 مايو 2026، إلى تدخل دولي عاجل وحاسم لمواجهة تفشي أمراض خطيرة ومستعصية بين صفوف النازحين في قطاع غزة، وذلك وسط تدهور حاد وغير مسبوق في الأوضاع الصحية والبيئية جراء تداعيات حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية المتواصلة.
وجاء هذا النداء الاستغاثي خلال الجلسة الأسبوعية للحكومة برئاسة محمد مصطفى في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، وفق بيان صادر عن مركز الاتصال الحكومي، حيث أكدت الحكومة أن الأوضاع في قطاع غزة لم تعد تحتمل الانتظار وتنذر بكارثة صحية وإنسانية حقيقية تطال الملايين. وفي الموازاة، استنكرت الحكومة الفلسطينية الخطط الإسرائيلية لتنفيذ طرق استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتكريساً لسياسات التوسع الاستيطاني العنصرية، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ خطوات "أكثر جدية وفعالية" لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة التي تستهدف الأرض والإنسان معاً.
ويأتي هذا التحذير الفلسطيني المزدوج (الصحي في غزة، والاستيطاني في الضفة) في وقت تكافح فيه الأونروا ومنظمة الصحة العالمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الفلسطينيين، حيث حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من أن الفلسطينيين في غزة يعانون بشكل متزايد من التهابات جلدية خطيرة ناتجة عن انتشار الجرذان والفئران والقمل والبراغيث والعث في مخيمات النزوح المكتظة.
وأوضحت الأونروا أن فرقها الصحية تعالج نحو 40 بالمئة فقط من آلاف الحالات المسجلة، مشيرة إلى أن هذه الأمراض يمكن علاجها بسهولة وبأدوية بسيطة في الظروف الطبيعية، إلا أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر يحول دون ذلك ويعرض حياة الآلاف للخطر يومياً.
الكارثة الصحية في غزة: 17 ألف إصابة بالقوارض
في تفاصيل أكثر إثارة للقلق، كانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في الخامس والعشرين من أبريل الماضي تسجيل أكثر من 17 ألف إصابة بشرية في قطاع غزة بسبب القوارض والطفيليات الخارجية المختلفة منذ بداية العام الحالي 2026 وحده، وهو رقم مرعب يعكس حجم الكارثة البيئية والصحية التي يتعرض لها 2.4 مليون فلسطيني محاصرين في شريط ضيق من الأرض.
وأكدت المنظمة أن الظروف التي وصفها مراقبوها بـ"اليائسة والخطيرة للغاية" في غزة لا تزال تعرقل بشكل كبير جهود التعافي والاستجابة الإنسانية، مشيرة إلى ارتفاع معدلات العدوى بين العائلات بشكل كبير بسبب الاكتظاظ وانهيار أدنى معايير النظافة الشخصية والعامة. وأضافت المنظمة أن تلوث المياه الجوفية والجاري نتيجة تدمير إسرائيل المتعمد والممنهج لشبكات الصرف الصحي، إلى جانب انتشار القوارض والحشرات بشكل غير مسبوق بسبب تراكم النفايات الطبية والمنزلية لشهور طويلة، كلها عوامل تضافرت لتخلق بيئة خصبة لنمو الأوبئة والأمراض المعدية.
وأشارت الحكومة الفلسطينية في بيانها إلى أن إسرائيل، ورغم دخول اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025 (بعد عامين كاملين من حرب الإبادة)، لا تزال تتنصل من جميع التزاماتها بموجب هذا الاتفاق، وتستمر في إغلاق المعابر ومنع إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء الأساسية.
واستنكرت الحكومة أن الأوضاع المعيشية والصحية لا تزال متدهورة بشكل مروع لجميع سكان القطاع، بما فيهم 1.4 مليون نازح يعيشون في خيام وأكواخ مهترئة لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا توفر لهم أبسط مقومات الحياة الكريمة أو الآمنة صحياً. وتتساءل المنظمات الحقوقية: كيف يمكن لأي إنسان أن يمارس حياته بشكل طبيعي أو يحافظ على صحته وهو محاصر في منطقة ملوثة بالصرف الصحي والنفايات الطبية والجثث غير المنتشلة والجرذان الضخمة التي تجوب المخيمات ليلاً ونهاراً؟
الاستيطان في الضفة: 1600 اعتداء
على الجانب الآخر من فلسطين المحتلة، وفي الضفة الغربية التي تشهد تصعيداً استيطانياً غير مسبوق، كشف مجلس الوزراء الفلسطيني أن شهر أبريل الماضي وحده شهد توثيق ما لا يقل عن 1600 اعتداء إرهابياً نفذتها قوات الاحتلال ومستوطنون مدنيون مدججون بالسلاح تحت الحماية العسكرية المباشرة.
وشملت هذه الاعتداءات المروعة: اعتداءات جسدية مباشرة أدت إلى استشهاد وجرح العشرات، وتخريب واسع للأراضي الزراعية التي تمثل مصدر رزق المئات من العائلات الفلسطينية، وإحراق متعمد للمحاصيل الزراعية الجاهزة للحصاد، ومنع فلاحين من الوصول إلى أراضيهم الواقعة خلف جدار الفصل العنصري، إلى جانب هدم منازل ومنشآت تجارية ومرافق حيوية في عمليات هدم إداري عقابي جماعي.
وفي تفاصيل أكثر خطورة خطيرة، قال الناشط في مقاومة الجدار والاستيطان عطا جابر لوكالة الأناضول التركية إن السلطات الإسرائيلية صادرت مؤخراً آلاف الدونمات الزراعية في منطقة البقعة شمال شرق مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، وشرعت في اقتلاع نحو 40 ألف دالية عنب (أي كرمة عنب مثمرة) كانت تشكل مصدر رزق لعشرات العائلات الفلسطينية لأجيال.
وأوضح جابر، الذي يملك أراضٍ مستهدفة بنفس مخطط التوسع الاستيطاني، أن إسرائيل تنفذ حالياً عمليات تجريف واسعة في إطار توسيع "الشارع الاستيطاني رقم 60"، وهو طريق رئيسي يربط بين عدة مستوطنات كبيرة في الضفة الغربية ويفصل بين القرى والبلدات الفلسطينية. وأضاف أن المساحة الإجمالية للأراضي المزروعة بالعنب والتي تعرضت للتجريف حتى الآن تقدر بنحو 385 إلى 400 دونم، إلى جانب مصادرة مساحات إضافية من أراضٍ زراعية بكر تمهيداً لبناء وحدات استيطانية جديدة.
جرائم متكاملة: بين الإبادة والتجويع والتهجير
ما يجمع بين الكارثة الصحية في غزة والكارثة الاستيطانية في الضفة هو أنهما وجهان لعملة واحدة: جريمة الإبادة الجماعية الممنهجة التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني تحت أنظار وصمت دولي مطبق. ففي غزة، تتبع إسرائيل سياسة "التجويع البطيء" و"الموت البطيء" عبر منع المساعدات الطبية والغذائية، وتدمير البنية التحتية للصحة والمياه والصرف الصحي، وانتظار أن يموت الفلسطينيون جراء الأمراض المعدية والأوبئة التي كان يمكن علاجها بأبسط الأدوية.
وفي الضفة الغربية، تتبع إسرائيل سياسة "التهجير القسري" عبر الاستيلاء على الأراضي الزراعية، واقتلاع مئات آلاف الأشجار المثمرة، وهدم المنازل، ودفع المزارعين والعائلات إلى ترك أراضيهم طوعاً أو كرهاً لتحل محلها البؤر الاستيطانية المسلحة.
وتؤكد الحكومة الفلسطينية أن هذه السياسات المتكاملة تأتي ضمن "تصعيد ممنهج ومدروس يستهدف تقويض مقومات الحياة الفلسطينية بشكل كامل"، ليس فقط في غزة أو الضفة وحدها، بل في كل شبر من الأرض الفلسطينية المحتلة. فبينما يقصف الاحتلال المستشفيات والمدارس والمخابز في غزة، يهدم البيوت ويجرف البساتين ويهجر العائلات في الضفة، كل ذلك في إطار خطة واحدة: جعل الحياة على الأرض الفلسطينية مستحيلة، ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية طواعية كرهاً، بحثاً عن حياة كريمة في بلدان أخرى. وتستغرب الحكومة موقف المجتمع الدولي الذي يكتفي بإصدار بيانات الاستنكار الشكلي، بينما تُرتكب جرائم الإبادة والتطهير العرقي على الهواء مباشرة وبتمويل أمريكي وإسرائيلي.
72 ألف شهيد و172 ألف جريح
لا يمكن الحديث عن الكارثة الصحية في غزة أو الكارثة الاستيطانية في الضفة دون التذكير بحجم المجزرة البشرية الهائلة التي ارتكبتها إسرائيل بدعم أمريكي كامل منذ الثامن من أكتوبر 2023. فالحصيلة الرسمية المعلنة حتى الآن تتحدث عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 172 ألف آخرين بجراح متفاوتة الخطورة، آلاف منهم أصيبوا بعاهات مستديمة أو بتر في الأطراف أو حروق من الدرجة الثالثة في جميع أنحاء الجسد.
ومعظم الشهداء والجرحى هم من الأطفال والنساء وكبار السن، أي من فئة المدنيين العزل الذين لا يحملون سلاحاً ولا يشكلون أي تهديد عسكري للاحتلال، وهي جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب كل قوانين ومواثيق ومعاهدات القانون الدولي الإنساني.
وإذا أضفنا إلى هذا العدد المروع من الشهداء والجرحى، أعداد الأسرى الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية (وما يقارب 22 ألف أسير منذ بداية الحرب وحدها)، وأعداد النازحين الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم (أكثر من 1.4 مليون في غزة وآلاف في الضفة)، وأعداد المرضى الذين تُركوا يموتون على الحواجز العسكرية أو في المستشفيات المدمرة بلا دواء ولا غذاء ولا ماء، نحصل على صورة مأساوية لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً.
ويتساءل الفلسطينيون والعرب والضمائر الحية في العالم: كم عدد الشهداء الآخرين الذين يحتاجهم الاحتلال حتى يتوقف؟ وكم عدد الجرحى والأسرى والنازحين حتى يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف هذه الجرائم والمجازر؟
إبادة جماعية ممنهجة وسرطان استيطاني
تقدم الحكومة الفلسطينية للعالم صورة شاملة ولكنها قاتمة عن واقع الفلسطينيين تحت الاحتلال اليوم: في غزة، يموت الناس ببطء جراء الأمراض والأوبئة والقنابل والجوع والعطش، وفي الضفة، تُسرق أراضيهم وتُقتلع أشجارهم وتُهدم منازلهم ليحل محلها المستوطنون المسلحون تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
هذا هو واقع شعب بأكمله يُباد بشكل ممنهج ومنظم، والضحايا ليسوا أرقاماً في نشرات إخبارية أو تقارير إحصائية، بل بشر لهم عائلات وأحلام وحقوق كفلها لهم القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان، لكن إسرائيل وأمريكا تجاوزتا كل هذه القوانين.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه الفلسطينيون على المجتمع الدولي بمرارة وأسى: هل سينتظر العالم حتى آخر فلسطيني على الأرض قبل أن يتحرك؟ وإلى متى سيبقى الصمت الدولي هو الرد الوحيد على جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بتقديم الإجابات، لكن المؤكد أن الدم الفلسطيني لن يهدأ، ولن ينسى التاريخ وقوف العالم متفرجاً على هذه المذبحة البشعة.






