20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كوريا الشمالية تشطب إعادة التوحيد من دستورها وتعلن رسمياً أنها دولة نووية منفصلة عن الجنوب

كشفت مسودة دستورية حصلت عليها "رويترز"، في تطور جيو سياسي بالغ الخطورة، أن كوريا الشمالية أجرت تعديلات جوهرية وغير مسبوقة على دستورها، حذفت بموجبها أي إشارة إلى إعادة التوحيد مع كوريا الجنوبية

بقلم: أخبار ومتابعات
٦ مايو ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
10 مشاهدة
أعلام كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية في دورة ألعاب شرق آسيا في الصين عام 2005 (أرشيفية - رويترز)

أعلام كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية في دورة ألعاب شرق آسيا في الصين عام 2005 (أرشيفية - رويترز)

كشفت مسودة دستورية حصلت عليها وكالة "رويترز" للأنباء، في تطور جيو سياسي بالغ الخطورة، أن كوريا الشمالية أجرت تعديلات جوهرية وغير مسبوقة على دستورها، حذفت بموجبها أي إشارة إلى إعادة التوحيد مع كوريا الجنوبية، وكرست بشكل رسمي رؤية الزعيم كيم جونغ أون في معاملة الكوريتَين كدولتين منفصلتين ومستقلتين تماماً عن بعضهما البعض. 

ويعتبر هذا التعديل، الذي تم تبنيه في مارس الماضي خلال اجتماع عقدته الجمعية الشعبية العليا (الهيئة التشريعية العليا في بيونغ يانغ والمكلفة بالمصادقة على مشروعات القوانين)، تحولاً استراتيجياً هائلاً في سياسة الشمال تجاه الجنوب، حيث تم حذف كل البنود التي كانت تتحدث عن الوحدة والتحرير والأمة الكورية الواحدة من النص الدستوري.

وأكد الأستاذ بجامعة سيول الوطنية، لي جونغ تشول، خلال إفادة قدمها لوزارة التوحيد في كوريا الجنوبية يوم الأربعاء، أن هذا التعديل يمثل المرة الأولى في تاريخ كوريا الشمالية التي تضيف فيها بنداً يتعلق بتحديد الأراضي والحدود بهذه الطريقة الواضحة والحاسمة إلى دستورها، مما يعني أن بيونغ يانغ لم تعد تعتبر القضية الكورية قضية "داخلية" بين شطرين من أمة واحدة، بل قضية بين دولتين مستقلتين لهما سيادتان مختلفتان.

ويأتي هذا التعديل الدستوري بعد تصريحات سابقة للزعيم كيم جونغ أون في يناير 2024، عندما دعا في خطاب أمام الجمعية الشعبية العليا إلى ضرورة تعديل الدستور لإزالة مفهوم "الوحدة السلمية" ووصف الجنوب بأنه "العدو الأساسي" و"الدولة المعادية رقم واحد". وكانت تلك التصريحات قد أثارت صدمة في سيول وواشنطن وطوكيو، لكن تنفيذها فعلياً عبر تعديل دستوري يجعلها قانوناً نافذاً وملزماً يرفع منسوب التوتر إلى درجات غير مسبوقة. وتشير المصادر إلى أن كيم أدرك أن حلم الوحدة الطوعية بين الشمال والجنوب قد تبخر بعد ثمانية عقود من الانقسام، وأن الأجيال الجديدة في الجنوب لم تعد تشعر بانتماء عاطفي أو ثقافي للشمال، مما دفعه إلى تبني ما يعرف باستراتيجية "دولتان، لا وحدة".

إلغاء للخط البحري المتنازع عليه

وفقاً لنص المادة الثانية الجديدة التي اطلعت عليها "رويترز"، فإن أراضي كوريا الشمالية لم تعد تُعرّف على أنها شبه الجزيرة الكورية بأكملها (كما كان الحال في الدساتير السابقة)، بل أصبحت تشمل الأراضي "المتاخمة لجمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية من الشمال وجمهورية كوريا من الجنوب"، مع إضافة المياه الإقليمية والمجال الجوي المرتبط بهذه الأراضي. 

هذا التعريف الجديد هو إعلان عملي بأن كوريا الشمالية تقبل بالحدود الحالية (تقريباً خط الهدنة الذي تم توقيعه عام 1953) كحدود فعلية لدولتها، وأنها لم تعد تطالب بأي أراضٍ جنوب هذا الخط، باستثناء ما هو محدد في نص الدستور. كما تنص المادة أيضاً على أن كوريا الشمالية "لن تتهاون أبدا مع أي انتهاك" لأراضيها، وهو بند يمكن تفسيره على أنه تهديد مباشر لأي محاولة من الجنوب أو حلفائه لخرق الحدود براً أو بحراً أو جواً.

لكن اللافت والمقلق بنفس القدر هو أن الدستور المعدل لم يحدد موقع الحدود البحرية مع كوريا الجنوبية بدقة، ولا يذكر أبداً خط "الحد الشمالي" (Northern Limit Line) في البحر الأصفر، وهو الخط البحري المتنازع عليه بشدة بين الكوريتين منذ نهاية الحرب الكورية والذي شهد عدة اشتباكات دامية على مر العقود. 

ويرى المحللون أن هذا الإغفال المقصود يترك الباب مفتوحاً أمام بيونغ يانغ لتفسير حدودها البحرية بشكل أحادي في أي وقت، وربما استخدام ذلك كذريعة لشن هجمات أو فرض مناطق عازلة بحرية جديدة. فعدم وضوح الحدود البحرية، كما هو الحال مع خط الحد الشمالي الذي تعتبره كوريا الشمالية غير شرعي، يبقي حالة من التوتر الدائم والغموض الاستراتيجي، وهو ما قد تستغله بيونغ يانغ لتحقيق مكاسب تكتيكية في المستقبل دون انتهاك نص الدستور بشكل مباشر.

كيم جونغ أون: رئيس دولة بصلاحيات نووية مطلقة

لم تقتصر التعديلات الدستورية على الجانب الإقليمي فقط، بل طالت أيضاً هيكل السلطة وطبيعة الحكم في كوريا الشمالية، حيث يعين الدستور المعدل الزعيم كيم جونغ أون، بصفته رئيس لجنة شؤون الدولة، رئيساً لدولة كوريا الشمالية، ليحل محل الصيغة السابقة التي كانت تصف المنصب بأنه "الزعيم الأعلى للبلاد الذي يمثّل الدولة". 

هذا التغيير في المسمى الرسمي ليس مجرد تعديل شكلي أو لفظي عابر، بل هو تحول في طبيعة العلاقة بين الزعيم والدولة، حيث يصبح كيم رئيساً للدولة بالمعنى القانوني والدبلوماسي الكامل، وليس مجرد زعيم حزبي أو قائد عسكري أسمى. وهذا يمنحه شرعية إضافية في التعامل مع الدول الأخرى في المحافل الدولية، ويمنحه القدرة على إبرام المعاهدات وتعيين السفراء وتمثيل البلاد في الأمم المتحدة بشكل أكثر فعالية.

الأكثر أهمية وخطورة هو أن الدستور المعدل يذكر صراحة ووضوحاً أن قيادة القوات النووية لكوريا الشمالية تقع على عاتق رئيس لجنة شؤون الدولة (أي كيم حصراً)، مما يضع رسمياً سلطة الترسانة النووية الضخمة للبلاد في يديه وحده، دون الحاجة إلى أي مشاورات مع أي جهة أخرى داخل الحزب أو الجيش. 

ويصف بند منفصل يتعلّق بالدفاع الوطني كوريا الشمالية بأنها "دولة مسؤولة حائزة للأسلحة النووية"، ويقول إن البلاد ستواصل تطوير أسلحتها النووية دون تردد لحماية حقوقها في البقاء والتنمية، وردع الحرب وحماية السلام والاستقرار الإقليميين والعالميين. هذا هو أول اعتراف دستوري رسمي من كوريا الشمالية بامتلاكها أسلحة نووية، وهو اعتراف يضعها في مصاف الدول النووية المعترف بها فعلياً (وإن لم تعترف بها المعاهدات الدولية)، ويقطع الطريق على أي مفاوضات مستقبلية لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية.

صدمة في سيول وواشنطن وطوكيو

أثارت التعديلات الدستورية الكورية الشمالية ردود فعل سريعة وحذرة في العواصم المعنية، حيث عبرت وزارة التوحيد في كوريا الجنوبية عن "أسفها العميق" لما وصفته بـ"الخطوة غير المسؤولة التي تقوض عقوداً من الجهود لتحقيق المصالحة والتقارب بين الشعبين". وقال متحدث باسم الوزارة إن حكومة سيول "ستدرس بعناية الآثار القانونية والدبلوماسية لهذا التعديل، وستتخذ الإجراءات المناسبة لحماية أمنها القومي ومصالح شعبها". 

من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الأمريكية التعديلات بأنها "استفزازية وتزيد من التوتر في منطقة كانت تشهد بعض بوادر الاستقرار"، وحثت بيونغ يانغ على "العودة إلى طاولة المفاوضات لنزع السلاح النووي وحوار بناء حول مستقبل شبه الجزيرة".

أما اليابان، فكان موقفها أكثر حدة، حيث اعتبرت الحكومة اليابانية أن إعلان كوريا الشمالية دستورياً عن كونها "دولة نووية مسؤولة" يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الياباني وللاستقرار الإقليمي في شمال شرق آسيا، ودعت إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لبحث هذه التطورات الخطيرة. وتخشى طوكيو أن تشجع الخطوة الكورية الشمالية دولاً أخرى في المنطقة (مثل كوريا الجنوبية نفسها أو حتى اليابان) على المطالبة بامتلاك أسلحة نووية ردعاً للخطر الكوري الشمالي، مما قد يشعل سباق تسلح نووي مدمر في المنطقة. وتشير بعض المصادر إلى أن كوريا الجنوبية قد تشهد نقاشاً جاداً حول خيار "التسليح النووي" أو "إعادة انتشار الأسلحة النووية الأمريكية" على أراضيها، وهو ما كان يعتبر من المحرمات السياسية لعقود، لكن التهديد الكوري الشمالي المتصاعد قد يدفع سيول إلى إعادة النظر في هذه السياسة.

مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة

بالتعديلات الدستورية الجريئة وغير المسبوقة، يكون الزعيم كيم جونغ أون قد أعلن بصوت عالٍ وواضح للعالم أجمع أن حلم الوحدة بين الكوريتين قد مات رسمياً، وأن بيونغ يانغ لم تعد تنظر إلى سيول كشريك في الأمة الواحدة، بل كدولة عدو مستقلة تمتلك سيادتها وحدودها وسياساتها، ولها الحق في أن تعاديها وأن تتصادم معها عسكرياً وسياسياً.

هذا التحول في الخطاب الرسمي يعكس واقعاً مريراً عاشه الكوريتان لعقود: تطورت كل دولة بشكل منفصل تماماً، وتشكلت هويات وطنية مختلفة وحكومات متباينة، واقتصادات متفاوتة، وتحالفات دولية متضاربة. وفي هذا السياق، يبدو أن كيم قرر أن الوقت قد حان لقطع العلاقات الأيديولوجية والعاطفية التي كانت لا تزال قائمة (ولو بشكل نظري) بين الشطرين، والتركيز على تطوير دولته النووية والتحديات الحقيقية التي تواجهها.

ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه المحللون الآن: كيف سترد كوريا الجنوبية وحلفاؤها على هذه الخطوة الأحادية؟ هل ستتبنى سيول موقفاً تصعيدياً يعترف هي الأخرى باستحالة الوحدة ويعلن أن الكوريتين دولتان منفصلتان، أم أنها ستتمسك بأمل الوحدة رغم كل شيء وستعتبر التعديلات الكورية الشمالية مجرد مناورة تكتيكية لا تغير من جوهر الصراع؟ وماذا يعني اعتراف بيونغ يانغ الدستوري بامتلاكها أسلحة نووية بالنسبة للمفاوضات السداسية ونظام عدم الانتشار العالمي؟ 

الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة في تحديد ملامح المرحلة الجديدة من الصراع الكوري، لكن المؤكد الآن أن شبه الجزيرة الكورية دخلت فصلاً جديداً أكثر تعقيداً وأكثر خطورة من أي وقت مضى منذ الهدنة عام 1953.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال