وسعت إسرائيل دائرة غاراتها الجوية على جنوب لبنان، يوم الأحد الموافق 10 مايو 2026، عبر سلسلة استهدافات ممنهجة نفذتها الطائرات الحربية والمسيّرات، طالت مناطق متفرقة في صور والنبطية والبقاع الغربي والشوف، وذلك بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران المسيّر الإسرائيلي فوق الضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة في رسالة ترهيب واضحة.
وجاء هذا التصعيد الدموي بعد يوم دامٍ شهدته مناطق متفرقة من جنوب لبنان والساحل اللبناني يوم السبت، حيث سقط شهداء وجرحى في سلسلة غارات متفرقة طالت مركبات مدنية ومنازل آمنة. وتشن إسرائيل منذ الثاني من مارس الماضي عدواناً موسعاً على لبنان، خلّف حتى الآن آلاف الشهداء والجرحى، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون و600 ألف شخص، أي نحو خمس عدد السكان الإجمالي في لبنان، وفق معطيات رسمية لبنانية .
وفي التفاصيل المروعة التي تجاوزت كل الحدود الإنسانية، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية أن مسيّرة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية كان يستقلها شخص من الجنسية السورية برفقة ابنته البالغة من العمر 12 عاماً في بلدة السكسكية.
وبعد أن تمكن الأب وابنته من الابتعاد عن مكان الاستهداف الأول، عاودت المسيّرة الإسرائيلية استهدافهما للمرة الثانية، ما أدى إلى استشهاد الأب على الفور. وفي مشهد يجسد وحشية آلة القتل الإسرائيلية دون أي رادع أخلاقي أو قانوني، تعرضت الطفلة الجريحة، التي ابتعدت نحو 100 متر عن موقع الانفجار الأول، لاستهداف مباشر للمرة الثالثة، وهي تحاول الزحف بعيداً طلباً للنجاة . وأكدت وزارة الصحة أن الطفلة ظلت تخضع لعمليات جراحية إنقاذية، لكنها استشهدت لاحقاً متأثرة بجروحها البالغة، لتصبح ثالث شهداء عائلة واحدة خلال ساعات .
مجزرة السكسكية: 7 شهداء و15 جريحاً
في واقعة منفصلة ولكنها تحمل نفس القسوة والوحشية، أدت غارة إسرائيلية استهدفت بلدة السكسكية في جنوب لبنان إلى مجزرة حقيقية، حيث استشهد 7 أشخاص وأصيب 15 آخرون بجروح متفاوتة، وفق ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية . وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، فإن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارة عنيفة على البلدة، دون أي إنذار مسبق، مما أدى إلى تدمير عدة منازل وتطاير الأنقاض على مساحات واسعة، وعملت فرق الدفاع المدني والهيئة الصحية الإسلامية على انتشال الجثامين وإسعاف الجرحى في ظل ظروف بالغة الصعوبة .
وفي سياق متصل، شهدت مناطق عدة في جنوب لبنان سلسلة غارات واستهدافات إسرائيلية متفرقة، حيث استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في منطقة جل البحر عند مدخل مدينة صور، كما شن الطيران الإسرائيلي غارتين على أوتوستراد السعديات مستهدفاً سيارتين مدنيتين . وأغار الطيران الإسرائيلي على منطقة الشرافيات شرق العباسية، ثم جدد استهداف بلدة عين بعال، وشن غارة أخرى على منطقة شارنية في خراج بلدة طيردبا. كما استهدف الطيران الحربي بلدة جبشيت ومفرق بلدة المنصوري، في حملة إرهابية شاملة طالت كل ما يتحرك في الجنوب دون تمييز بين مدني ومقاتل.
استهداف الهيئة الصحية الإسلامية ومعامل العلف
لم تقتصر الجرائم الإسرائيلية على استهداف المدنيين الأبرياء، بل امتدت لتطال المؤسسات الخدمية والطبية التي تقدم الدعم للبنانيين والمقيمين على حد سواء. ففي بلدة قلاويه بقضاء بنت جبيل، استهدفت مسيرة إسرائيلية نقطة تابعة للهيئة الصحية الإسلامية، وهي مؤسسة إغاثية تقدم خدمات إسعافية وطبية للمدنيين في جنوب لبنان . وفي استهداف يعكس نية مبيتة لشل قدرات الإغاثة والإنقاذ، أغار الطيران الإسرائيلي على طريق عام بين بلدتي الرمادية والشعيتية، كما استهدف معمل أعلاف دواجن على طريق بلدة الرمادية في قضاء صور، وسط معلومات أولية عن وقوع إصابات بين العمال المدنيين .
كما تعرضت بلدتا تولين والصوانة في قضاء مرجعيون لقصف مدفعي مكثف، فيما نفذت قوات إسرائيلية عمليات إضافية لنسف منازل في قرى وبلدات حدودية في مدينتي بنت جبيل والطيري بالنبطية . وفي حصيلة غير نهائية، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارة الإسرائيلية على بلدة بدياس في قضاء صور، والتي نُفذت مساء السبت، أدت إلى سقوط شهيد و13 جريحاً من بينهم 6 أطفال وسيدتان، في جريمة أخرى تضاف إلى سجل الإرهاب الإسرائيلي الأسود .
استهداف جرافة "D9" ومقر قيادي في الخيام
في مقابل هذا التصعيد الدموي، لم تقف المقاومة الإسلامية في لبنان مكتوفة الأيدي، حيث أعلن حزب الله، في بيانات متتالية، عن استهداف جرافة "D9" عسكرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي عند خلة راج في بلدة دير سريان، باستخدام طائرة مسيرة انقضاضية (كاميكازي)، محققاً إصابة مباشرة أدت إلى تدميرها بالكامل . كما أعلن الحزب استهداف مقر قيادي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مدينة الخيام المحتلة، مشيراً إلى تحقيق إصابات مباشرة في صفوف الضباط والجنود .
وزعم جيش الاحتلال الإسرائيلي، في بيان رسمي، أنه هاجم 40 هدفاً من البنية التحتية لحزب الله، وزعم أنه قتل 10 من مسلحيه في جنوبي لبنان خلال الساعات الـ24 الماضية . كما قال الجيش الإسرائيلي في بيان منفصل إنه اعترض هدفاً جوياً "مشبوهاً" (طائرة مسيرة) في المنطقة التي تتواجد فيها قواته بجنوبي لبنان، في محاولة لتجميل صورة الإخفاقات وادعاء التفوق . وترى الأوساط الميدانية أن هذه الادعاءات الإسرائيلية تهدف إلى رفع الروح المعنوية للجنود بعد الخسائر المتتالية التي منيت بها القوات الإسرائيلية على يد المقاومة .
الخروقات على لبنان
في بيان شديد اللهجة، أدانت وزارة الصحة اللبنانية "الاستهداف الهمجي والعنف المتعمد ضد المدنيين والأطفال في لبنان، في مسلسل مفتوح من الخروقات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي". وأشار البيان إلى أن استهداف الطفلة السورية ثلاث مرات متتالية، حتى بعد أن ابتعدت عن موقع الاستهداف الأول، ليس مجرد خطأ عسكري أو خطأ في تقدير، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان، وجزء من سياسة ممنهجة لترويع المدنيين ودفعهم إلى النزوح القسري .
وتأتي هذه المجازر المتتالية في ظل صمت دولي مريب وعجز أممي واضح عن توفير أي حماية للمدنيين في جنوب لبنان. فالقصف الإسرائيلي لا يميز بين عربي وسوري، ولا بين لبناني وفلسطيني، ولا بين مدني ومقاتل، بل هو آلة قتل عمياء تستهدف كل ما يتحرك، وتستخدم الطائرات المسيّرة كأداة للصيد البشري، حيث تطارد الأفراد الواحد تلو الآخر وتستهدفهم مراراً حتى الموت . ويتساءل المراقبون: أين مجلس الأمن من هذه الانتهاكات الجسيمة؟ وأين المنظمات الحقوقية الدولية التي تدعي حماية الأطفال؟ وأين المتحدثون باسم القانون الدولي الذين يبقون صامتين عندما يكون المعتدي هو إسرائيل؟
جريمة تلو الأخرى وجثث تملأ شوارع الجنوب"
بين مجزرة السكسكية التي أودت بحياة 7 أشخاص، واستهداف الطفلة السورية ثلاث مرات حتى المرمى، وتدمير معامل الأعلاف والمراكز الصحية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي كتابة أفظع فصول الإرهاب في جنوب لبنان. فكل يوم يمر يسقط فيه شهداء جدد، ويُصاب فيه عشرات آخرون، وتُدمر فيه منازل وممتلكات، وذلك دون أي رادع دولي أو إدانة حقيقية من المجتمع الدولي.
وتستمر المقاومة في التصدي لهذا العدوان الغاشم، وتكبّد العدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، لكن ثمن ذلك يدفعه المدنيون الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يعيشون في جنوب لبنان. ويبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه اللبنانيون والفلسطينيون والسوريون على حد سواء: كم عدد الشهداء الآخرين الذين يحتاجهم العالم حتى يتحرك لوقف هذه المجازر؟ وإلى متى سيظل القانون الدولي حبراً على ورق أمام آلة القتل الإسرائيلية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الدم اللبناني لن يهدأ، ولن يغفر التاريخ.










