20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

جنازة بكين.. جلسة اعتراف جيوسياسية بالمدينة المحرمة!

"أغبى أنواع الأطباء هو ذلك الذي يتناول السم ليثبت لمرضاه أنه يمتلك الترياق-"حكمة سياسية ساخرة، عبرت بإبداع واقعي عن "الإغواء القاتل" عندما يتحول "النسر" إلى مريض نفسي يعالج أزماته بالسم كحباري الموت

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١٣ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
38 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: جنازة بكين.. جلسة اعتراف جيوسياسية بالمدينة المحرمة!

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: جنازة بكين.. جلسة اعتراف جيوسياسية بالمدينة المحرمة!

"أغبى أنواع الأطباء هو ذلك الذي يتناول السم ليثبت لمرضاه أنه يمتلك الترياق-"حكمة سياسية ساخرة، عبرت بإبداع واقعي عن "الإغواء القاتل" عندما يتحول "النسر" إلى مريض نفسي يعالج أزماته بالسم كحباري الموت!، أو بالأدق عندما تحوّلت الولايات المتحدة من "شرطي العالم" إلى "رجل إطفاء يسكب البنزين"، بينما هناك يقف صمود عالمي ومعه "محور الرزانة" العربي.

بهذه الروح الانهزامية المغلفة بعظمة زائفة، يشد دونالد ترامب رحاله برحلة مختلفة عما سبقتها في 2017 إلى بكين مزهواً بشعار "أمريكا أولاً"، لتتكرر بربيع مايو 2026. لكنه لا يذهب إلى المدينة المحرمة بصفته "كبيراً للمفاوضين"، بل بصفته "معالجاً نفسياً مريضاً" غرق في أمراضه الخاصة قبل أن يداوي أزمات العالم، وكأنا أقرب إلى "جلسة اعتراف جيوسياسية" لقوة عظمى بدأت تكتشف أن العالم لم يعد يخافها كما كان يفعل قبل عقدين، لخضوعه التام لإغواء استراتيجي صهيوني، جرّت واشنطن من أذنيها إلى مستنقع "الغضب الملحمي" ضد إيران، لتتركها هناك تواجه العاصفة وحدها، ورئيسها الشعبوي مُثقل بالأزمات، محاصر بالتضخم، ومتراجع الشعبية، ويبحث عن مخرج من حرب تحولت إلى عبء استراتيجي على واشنطن وحلفائها، معتقداً بزيارته أن الرسوم الجمركية والعقوبات والضغوط السياسية ستُخضع الصين خلال سنوات قليلة. يومها، بدا المشهد وكأن واشنطن لا تزال تتحكم بإيقاع العالم، بينما كانت بكين تراقب بصمت استراتيجي طويل النفس.

"فتاة الليل" السياسية وتسميم الأصدقاء

والآن تغيّر كل شيء، فسقطت واشنطن وإدارة ترامب في فخ التبعية العمياء لأهواء تل أبيب، والتورط في علاقة مع "لعنة عابرة" تبيع الوهم مقابل الدمار. ليختار دسّ السُم في عروق حلفائه:

المواطن الأمريكي: الذي يتجرع مرارة التضخم مع بنزين تجاوز 4.50 دولارات للغالون.
أوروبا المذعورة: التي باتت تنظر إلى واشنطن لا كحليف، بل كـ"شريك غير موثوق" يهدد أمن الطاقة والقارة برمتها.
إسرائيل نفسها: التي باتت تحصد نتائج "تطرفها" عزلةً دولية وتهديداً وجودياً لم تفلح ترسانة واشنطن في إخفائه.
جلطة في قلب الاقتصاد العالمي: بينما يحاول ترامب في بكين "تسول" مخرج للأزمة، تتحدث الأرقام عن "انتحار اقتصادي" ممنهج تمثلت في حمى الـ 145 %للتعريفات الجمركية التي فرضها ترمب تحت شعار يوم التحرير، لم تحمِ الصناعة، بل قتلتها، حيث أدت لإغلاق 2800 منشأة صناعية في عام واحد. واكتشفت أن الاقتصاد العالمي ليس لعبة تلفزيونية يديرها رئيس عبر منصة إعلامية. والنتيجة كانت قاسية:

نزيف الوظائف 89 ألف عامل أمريكي وجدوا أنفسهم في الشارع بفضل "يوم التحرير" الجمركي المزعوم.
 تراجع شعبية ترمب من 48% مطلع 2025 إلى 35% بحلول مايو 2026 وكأنه إعلان عن "إفلاس سياسي" لزعيم فضل إرضاء "اللوبي" على إطعام مواطنيه.

إغلاق ما يقارب 2800 منشأة صناعية متوسطة.

ارتفاع أسعار الوقود إلى أكثر من 4.50 دولارات للغالون بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
كارثة استراتيجية وأخلاقية: لم تكن الكارثة الحقيقية اقتصادية فقط، بل استراتيجية وأخلاقية أيضاً، فتحولت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى نموذج للفوضى المرتبكة. معتقدة أن عقلية الضربة الخاطفة لإيران ستفوز، كما فعلت إدارات أمريكية سابقة في العراق وأفغانستان، لكنها اكتشفت أن إشعال الحرائق أسهل كثيراً من إطفائها.

المشكلة الأكبر أن واشنطن لم تعد تبدو كقوة تقود العالم، بل كقوة تجرّها حسابات ضيقة وتحالفات متطرفة نحو أزمات لا نهاية لها، والسب الدعم غير المشروط لإسرائيل، والانخراط في مغامرات عسكرية مفتوحة، جعلا الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها فقدت قدرتها على التمييز بين حماية المصالح وإدارة الفوضى، وتصرفها خلال السنوات الأخيرة كطبيب مرتبك يعالج الأزمات الدولية بحقن العالم بمزيد من السموم السياسية والاقتصادية؛ عقوبات هنا، حروب هناك، وضغوط في كل اتجاه، حتى أصبح المواطن الأمريكي نفسه يدفع الثمن من راتبه ووقوده ومستوى معيشته.

أما أوروبا، الحليف التقليدي لواشنطن، فقد بدأت تنظر بقلق متزايد إلى الإدارة الأمريكية. فالقارة التي عاشت سنوات من التضخم وأزمات الطاقة بسبب الحرب الأوكرانية والتوترات في الشرق الأوسط، لم تعد تثق بالكامل بأن واشنطن تملك رؤية واضحة للمستقبل. بل إن كثيراً من العواصم الأوروبية باتت تخشى أن تتحول أمريكا من "حامية للنظام الغربي" إلى مصدر مباشر لعدم الاستقرار العالمي.

الصبر الصيني "المُستفيد البارد": في المقابل، لعبت الصين لعبتها المفضلة: الصبر، فبينما كانت حاملات الطائرات الأمريكية تتحرك بين الخليج والبحر الأحمر، كانت بكين تتحرك عبر الهواتف المغلقة والاجتماعات الهادئة وصفقات الطاقة والممرات التجارية. فهي لم تدخل الحرب، لكنها خرجت منها سياسياً كقوة لا يمكن تجاوزها، ولقد نجح شي جين بينغ في تقديم نفسه كزعيم يدعو إلى "التعايش السلمي" واحترام السيادة والقانون الدولي، بينما كانت واشنطن تبدو غارقة في لغة العقوبات والتهديدات.

وهنا ظهرت المفارقة الكبرى: أميركا تمتلك أكبر ميزانية عسكرية في العالم تتجاوز 880 مليار دولار سنوياً، لكنها احتاجت إلى الوسيط الصيني لإقناع إيران بتهدئة التوتر وإعادة فتح مضيق هرمز. أي أن القوة العسكرية الأمريكية الهائلة لم تستطع وحدها حماية أهم شريان نفطي عالمي.

القوة والعقل العربي المصري: في خضم هذا المشهد، برز الدور الخليجي والعربي بصورة مختلفة تماماً عن حسابات واشنطن، فالسعودية ومصر تحديداً أدركتا مبكراً أن الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة سيكون انتحاراً اقتصادياً واستراتيجياً للمنطقة بأكملها. وقد تعاملت الرياض ببراغماتية عالية، وركزت على حماية استقرار أسواق الطاقة ومشاريعها الاقتصادية العملاقة، بينما لعبت القاهرة دوراً محورياً في منع توسع دائرة المواجهة، انطلاقاً من إدراك مصري عميق بأن انهيار الإقليم يعني انهيار الأمن العربي بأكمله.

لقد أثبتت مصر والسعودية أن الحكمة السياسية ليست في رفع الشعارات العسكرية، بل في منع المنطقة من السقوط في الفوضى الشاملة.
وهذا ما منح العاصمتين ثقلاً متزايداً في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، أما إيران، فرغم العقوبات والضغوط، فقد أثبتت أنها قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي عبر التحكم بمضيق هرمز، بينما خرجت الصين بوصفها "المستفيد البارد" الذي يربح دون أن يطلق رصاصة واحدة.

الخاسر الأكبر: كانت صورة الهيمنة الأمريكية نفسها. فالهيمنة لا تسقط فجأة، بل تتآكل حين تتحول القوة إلى ارتباك، والعقوبات إلى عبء، والحروب إلى مستنقعات مفتوحة. وهذا ما حدث تماماً في عهد ترمب؛ إذ انتقلت واشنطن من موقع "القوة التي تفرض النظام" إلى "القوة التي تحاول احتواء نتائج أخطائها". وبالتالي فإن قمة بكين 2026 لم تكن مجرد لقاء بين رئيسين، بل كانت إعلاناً غير رسمي عن بداية مرحلة دولية جديدة؛ مرحلة تتراجع فيها القطبية الأحادية الأمريكية، ويصعد فيها الشرق بهدوء وثقة وصبر طويل فهمته بكين ولعبت عليه وفق حكمة صن تزو: "أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون حرب". بينما لا تزال واشنطن تكتشف متأخرة أن العالم لا يُدار بالصراخ والعقوبات فقط، بل بالحكمة، والصبر، والقدرة على تجنب الحروب قبل إشعالها.

المسمار في نعش الهيمنة: المستقبل الذي ينتظر هذه الزيارة ليس "صفقة كبرى"، بل هو "استسلام غير مشروط" لواقع القطبية الجديدة. يذهب ترمب ليطلب من شي جين بينغ أن يتوسط له لدى طهران لفتح مضيق هرمز، وهو اعتراف رسمي بأن "النسر" قد فقد مخالبة، وأن "التنين والشرق" هما من يمتلكا مفاتيح البيت الآن، فتلك الزيارة لن ترمم ما انكسر، بل ستُكمل ما تبقى من "تحطيم" لصورة أمريكا كقوة عالمية. لقد تحولت واشنطن من "شرطي العالم" إلى "مريض العالم" الذي يرفض الاعتراف بمرضه، وبينما يبتسم الرئيس الصيني في "المدينة المحرمة"، سيكون ترمب بصدد توقيع شهادة وفاة "القرن الأمريكي".

وقفة: إن التاريخ لا يرحم الضعفاء الذين يتغطون بعباءة الغطرسة. لقد باعت إدارة ترمب كرامة أمريكا في "سوق النخاسة" السياسية الإسرائيلية، والنتيجة هي عالم لم يعد يثق بالدولار ولا بالوعود الأمريكية، فعندما يسقط العملاق، تبدو الأقزام التي كانت تستند إليه أكثر ذعراً منه، أما الحكماء فيبدأون فوراً في بناء عالم لا يحتاج لعمالقة مخادعين.. والعالم اليوم، بقيادة القوى الرزينة في الشرق والمنطقة العربية، بدأ فعلياً في بناء ذلك العالم.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

جنازة بكين.. جلسة اعتراف جيوسياسية بالمدينة المحرمة! - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°