21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أرض مولانا.. وخماسية القهر تشريح الجسد العربي بين الإخصاء الفكري وخطيئة الاستئناس

لم يكن الاستقلال في قاموس الرواد الأوائل مجرد طرد لجيوش غريبة، أو إنزال لعلم أجنبي واستبداله بآخر يرفرف على سارية القصر. كان حلماً مُفعماً بالأحلام والجمر، نبتت من صلب الصحراء والجبل والسهل، وسقاه أجداد الحرية بدمائهم قبل أن يسقوه بكلامهم.

بقلم: خالد سعيد نزال
١٣ مايو ٢٠٢٦
16 دقائق قراءة
28 مشاهدة
أرض مولانا.. وخماسية القهر تشريح الجسد العربي بين الإخصاء الفكري وخطيئة الاستئناس

أرض مولانا.. وخماسية القهر تشريح الجسد العربي بين الإخصاء الفكري وخطيئة الاستئناس

لم يكن الاستقلال في قاموس الرواد الأوائل مجرد طرد لجيوش غريبة، أو إنزال لعلم أجنبي واستبداله بآخر يرفرف على سارية القصر، كان حلماً مُفعماً بالأحلام والجمر، نبتت من صلب الصحراء والجبل والسهل، وسقاه أجداد الحرية بدمائهم قبل أن يسقوه بكلامهم.

هناك، في رمال برقة المقفرة، كان شيخ الشهداء عمر المختار يُعلّم الأجيال أن الكرامة لا تُساوم، وأن المقاومة روح تسري في العروق قبل أن تتحول إلى رصاصة. وفي جبال تلمسان والجزائر الشامخة، كان الأمير عبد القادر الجزائري يبني مؤسسات العلم قبل ساحات الوغى، ويؤسس لفكرة الدولة العادلة قبل أن تُعرف كلمة "وطن".

وفي تلال القدس وسهول فلسطين، كان عبد القادر الحسيني يُسدّد الطلقة الأخيرة، بينما يقف يوسف العظمة وحيداً في ميسلون أمام زحف الدبابات، يصرخ بـ"لا" لا نقبل التراجع، رغم علمه المسبق بمآل المعركة. ولم تكن ثورتهم في تونس، أو انتفاضتهم في العراق، أو ثورتهم في اليمن وسوريا والسودان، إلا فصولاً من ملحمة واحدة: حلم بكيان يقوم على الاكتفاء الذاتي، وعدلٍ ينزل على الفقير قبل الغني، ومساواة تمحو ما زرعه الاحتلال من طبقات وكراهية.

خاضوا، جادوا، وسقوا الأرض بدمائهم، وأقسموا على أن يكون الميراث دولة كرامة وتنمية، لا دولة ذلٍّ مُقنّع. لكن المفارقة المأساوية أن أجسادهم تحررت، بينما بقيت هياكل الاستقلال أسيرة لخيالات المستعمر. لم يلبث الحلم أن تشظى على صخرة الواقع، لندرك متأخرين أن "الاستقلال" كان مجرد تغيير طاقم الحراس، بينما بقيت القوانين التي تسيّج الفكر وتصادر الإرادة معلقة على جدران المجالس التشريعية وكأنها شرائع منزلة. اللغات الأجنبية أضحت لسان المخاطبات الرسمية وأحياناً لغة التعليم والدستور، كأن ألسنتنا الأم لا تصلح إلا للبكاء على الأطلال. والدساتير العربية، للأسف، لم تكن سوى ترقيع متواضع لنصوص استعمارية قديمة، مُلئت بعبارات "بسم الأمة" بينما تبقى روح "فرّق تَسُد" تحكم من خلف الستار.

والحدود التي رسمها سايكس وبيكو بريشة سادية على جسد الأمة الواحدة، تحولت إلى أوثان من حديد وأسلاك شائكة. صرنا نقتل بعضنا البعض لنحافظ على خطوطٍ وهمية رسمها مستعمر دهم في خيمته. نزيف الدم العربي لم يتوقف منذ عقود، ليس دفاعاً عن وطن، بل دفاعاً عن "ذاكرة استعمارية" أوهمونا أنها حدود الآباء والأجداد.

فعن أي تحرر نتحدث؟ عن تحرير الجسد وبقاء العقل أسيراً لقوانين بالية؟ عن استقلال يبدأ بحماس الثوار وينتهي بخضوع الرعايا؟ أم أن التحرر الحقيقي كان مجرد أغنية مسكرة غناها لنا الآباء المؤسسون ليناموا على أمجاد زائفة، بينما كنا نسير عراة في طريق المستعمر القديم، لا نعلم أن الأصفاد التي خلعناها من معاصمنا، كنا قد أدخلناها في عقولنا؟

وإذا كان الاستقلال قد تحول إلى سراب، فماذا حلّ بمسارات التنمية والبناء بعد رحيل المستعمر؟

1. اقتصاد الوهم.. حين تصبح الراقصة برنامجاً وطنياً للتنمية

في المشهد العربي الراهن، لم تعد التنمية مشاريع بنية تحتية، أو مختبرات بحث، أو مصانع تنتج القيمة المضافة. بل تحولت إلى استضافة مطربين ومغنين وراقصات وموديلات، يُقدَّمون في أزياء فلكلورية تُروَّج كـ"تراث حي"، ولا ضير إن تخلل العرض ملابس نوم أو سباحة، فكله يُحسب تحت بند "ترفيه الشعب" و"بناء السعادة الوطنية". بينما يتهاوى التعليم، وتختنق المستشفيات، وتُغلق المصانع أبوابها، تُفتح المسارح على مصراعيها، وتُستنزف الميزانيات على أضواء الليزر وصوت المكبرات. إنه نموذج تنموي مقلوب، يُقدّس المظهر على حساب الجوهر، ويُضخم الفردي الاستهلاكي على حساب الجماعي الإنتاجي. المطربات والموديلات يصبحن سفيرات للدولة في المحافل الدولية، بينما يُترك العلماء والمفكرون خارج دائرة الضوء، كأنهم وصمة عار على جسد الأمة المدلل.

المشكلة ليست في الفن بحد ذاته، بل في تحويله إلى أفيون شعبي وأداة تمويه عن فشل ذريع في توفير الخدمات الأساسية. فحين تعجز الدولة عن تقديم دواء لمريض، تقدم له حفلاً غنائياً "لرفع الروح المعنوية". حين تغلق المصانع، تُفتح قنوات فضائية للطبخ والرقص. حين ينهار التعليم، تُقام مسابقات ملكات جمال. إنها "خطيئة التفاهة" المنظمة، التي تغطي على خطيئة أعمق: سرقة المستقبل باسم إدارة الحاضر.

وحين ينحرف الاقتصاد نحو الترفيه، لا بد أن تنهار معه مقاييس العدالة والقيمة، لتتحول الفضيحة إلى منهج حكم.

2. فضيحة القيم..

ليس أدل على انهيار المقاييس من مشهد مركبة "فيات" تئن في شوارع القاهرة من ثقل كاتب بحجم نجيب محفوظ يمتطيها إلى منزله المتواضع. في الطرف الآخر، راقصة واحدة فقط تعلّمت "هز البطن" تمتلك مجمعات سكنية ومدناً سياحية بأكملها. دخل فنانة أو مطربة يفوق رواتب آلاف العمال والمفكرين والباحثين والعلماء مجتمعين. إنها ليست مفارقة عابرة، بل منهج حكم واضح: استبدال المنتج بالمُلهي، والعقل بالجسد، والتنمية المستدامة بالترفيه المؤقت.

تُمنح الراقصات والمطربات أوسمة رفيعة لإتقانهن "الفلكلور الوطني" ولو تضمن عروض فاضحة تحت مسمى "التراث المتجدد"، بينما يُترك العلماء والمفكرون إما في منافي اختيارية في الغرب، أو في حواري الفقر وأزقته الضيقة، لا يراهم أحد، وجيرانهم يصفونهم بالجنون لأنهم يقرأون الكتب في زمن الرقص، ويبحثون في زمن الترفيه، ويتأملون في زمن الاستهلاك. عند مماتهم، تُقام لهم مراسم تأبين مهيبة، وتُلقى خطابات رنانة، وتُمنح أوسمة لا تغني ولا تسمن من جوع، ثم تُطوى الصفحة، ويعود القطيع إلى مراعيه التافهة. كأن الفكر خطيئة، والعلم عبء، والعقل غريب في وطنه.

وإذا كانت القيم قد انقلبت، فالمفترض أن تكون الديمقراطية هي الملاذ لتصحيح المسار، لكنها تحولت في واقعنا إلى مسرح استعراضي.

3. أعراس الديمقراطية ومسرح إعادة تدوير السلطة

وفي خضم هذا الخواء المؤسسي، تُقام "أعراس الديمقراطية": انتخابات لا تنتخب حاكماً جديداً، بل تجدّد الثقة بالإمام الأوحد أو بأعوانه. يتنافس المتنافسون على من يهتف بأعلى صوت، ويصفق بأعلى إيقاع، ويعد بأعلى وعود. المواطن مدعو كمشاهد لا كمشارك. دوره أن يصفق للخطاب، يردد الهتاف، يعود إلى بيته ليستهلك مزيداً من البرامج التافهة. لقد تم اختزال المواطنة في "حق التصفيق"، وسُحب "حق التغيير" بالقوة أو بالترغيب. وأي اعتراض يُصنف شذوذاً، وأي تفكير نقدي يُتهم بالتآمر. تُعيد الأنظمة تدوير الوجوه والألقاب، ويعيد المواطن تدوير أوهامه تحت وطأة الخوف والجوع والترفيه.

وفي ظل هذه المسرحيات السياسية، لا يبقى للمواطن سوى دور المشاهد، أو الأسوأ: الثور المُدجّن الذي ينتج فساده بنفسه.

4. الثور المستأنس.. كيف تم إخصاء المواطن فكرياً؟

هنا تكمن المأساة الحقيقية التي لا تُقرأ في البيانات الرسمية، بل تُرى في عيون الأجيال: المواطن العربي لم يُقهَر فقط، بل خُصّي فكرياً واستُأنس ليصبح "الثور القوي" في معركة الإنتاج، لكن لا لإنتاج المعرفة أو الثروة أو الابتكار، بل لإنتاج الفساد، وزيادة عدد الراقصات والفنانات والمطربات ومستشارات الطبخ والأتيكيت، والمتعريات التافهات على منصات التواصل الاجتماعي. تحول الغضب إلى "لايك"، والثورة إلى "شير"، والمقاومة إلى متابعة مسلسل رقص جديد أو برنامج طبخ لا نهاية له. يُمنح الفتات فيفرح، ويُعطل فيسكت، ويُلهى فينسى. لم يعد النظام بحاجة إلى جيش لقمع الثورات، فقد نجح في تحويل المواطن إلى آلة استهلاكية تشتغل بـ"المفارقات المؤلمة": تحب من يذلها، تصفق لمن يسرق مستقبلها، تتابع راقصة وتنسى طبيباً مهاجراً.

ولأن الاستئناس ليس قدراً حتمياً، فإن السؤال الجوهري يصبح: كيف نهضت أمم أخرى من تحت الرماد والهزيمة، بينما بقينا نعيد إنتاج التخلف بوعي أو بدونه؟

5. دروس من الشرق البعيد.. كيف حولت الأمم جروحها إلى نهضة؟

قارن هذا المشهد العربي البائس بما فعلته أمم أخرى أوجعها التاريخ وأذلها الاستعمار، فاختارت أن تحول الجرح إلى وقود والهزيمة إلى منهج. اليابان في عام 1945 لم تكن دولة منهارة فحسب، بل جثة محترقة تحت رماد القصف النووي. استسلمت استسلاماً مذلاً، وضعت سيادتها في يد محتل، وأُجبرت على تبني دستور صاغه الآخرون. لكنها حرقت أرواحها في مدارسها، جعلت المعلم قدوة قبل الوزير، والمختبر معبداً قبل القصر. حوّلت الإذلال إلى وقود للانضباط، والفقر إلى دافع للابتكار. اليوم، تنتج ما يكفي العالم، وتتفوق في براءات الاختراع.

ماليزيا وإندونيسيا استثمرتا في التعليم التقني والبنية التحتية، وأدارتا الموارد بعقلية طويلة المدى، ووظفتا التنوع كرافد لا كعائق. الصين كانت مدمنة على الأفيون الذي فرضه المستعمر، وكسرت أسوارها العظيمة بخيانة الداخل. أدركت أن الخلاص ليس في استعادة الأمجاد، بل في إعادة اختراع المستقبل. بالتعليم الإجباري، والتخطيط الصارم، والاستثمار في البحث العلمي، تحولت إلى ورشة العالم. العبرة واحدة: النهضة ليست هدية تمنح، بل معادلة تبنى. الجدار الذي يحمي الأمة ليس من حجر، بل من فكر لا يخون، وعقل لا يستكين.

وهذه الدروس لا تُقرأ كنموذج للاستنساخ الحرفي، بل كمرآة تكشف أن التخلف ليس نقص موارد، بل غياب إرادة واختيار خاطئ لأولويات الحكم. وهنا تظهر الآليات الداخلية التي أعادت إنتاج هذا الواقع.

6. خماسية الحكم القهري..

ليس الجواب بسيطاً. لقد تمكنت الثقافة الاستبدادية من إعادة إنتاج نفسها عبر أجيال، حتى صار المواطن العربي يمارس الرقابة على نفسه قبل أن تمارسها عليه الدولة. وهنا نصل إلى جوهر الخماسية القهرية التي تحكم العالم العربي منذ الاستقلال الوهمي، بل وتتجدد وتتعمق في عصر الاستعمار الجديد:

أولاً: النظام السياسي الحاكم. سلطة الثكنة التي لا تبارك إلا نفسها. استعار عباءة "الزعيم الأوحد"، وألبسها ثوب الوطنية أو القومية أو الدين حسب المزاج. الجوهر واحد: لا ديمقراطية، لا تداول للسلطة، لا محاسبة. الموازنات تصرف على أجهزة القمع والإعلام والترفيه، أما التعليم والصحة فصدقة او مكرمة .

ثانياً: النظام الديني الهجين. سلطة المحراب التي تبيع البركة بالولاء. خليط مشوه من الفتاوى المأجورة والخطاب الرسمي المقدس، يبارك الحاكم الظالم باسم "طاعة ولي الأمر"، ويُكفّر المعارض باسم "الخروج على الجماعة". يقيم تحالفاً عضوياً مع الثكنة: يمنح الشرعية الدينية للقمع.

ثالثاً: النخب المستفيدة. تجار الوهم وسماسرة التخلف. يرتدون البدلة أو العباءة حسب المناسبة، يتقنون لغة "التنمية" أمام الكاميرات، ثم يسرقون مع النظام وباسمه. يحولون أي محاولة تغيير إلى "فوضى" تخيف البسطاء.

رابعاً: المواطن المستأنس. الثور القوي الذي ينتج الفساد بصمت. ضحية هذا النظام ومنتجه في آن واحد. استُئنِس فكرياً عبر عقود من التعليم الرعوي والإعلام التخديري. هو الذي قد يثور جوعاً وقهراً لحظة غضب عارمة، لكنه سرعان ما يعود إلى مرعاه إذا أُعطي كيس أرز أو أقيم حفل غناء.

خامساً: التاريخ المشوّه. ذاكرة الأمة المصادرة. لا تعليم يروي الحقيقة، التاريخ أصبح أسطورة جميلة، يُمحى عمداً تاريخ المقاومة الحقيقية، تاريخ المفكرين الذين دفعوا الثمن.

هذه الخماسية متكاملة عضوية. والأخطر أن الأنظمة العربية لا تكتفي بها داخلياً، بل تتنافس اليوم على استضافة قواعد الاستعمار الحديث في بلادها، تحت عناوين "محاربة الإرهاب" أو "حماية الأمن القومي". في مشهد مأساوي، يتحول الوطنيون الأمس إلى خونة اليوم ليس بفعل عامل أجنبي، بل بفعل رغبتهم في التمسك بكراسيهم.

وحين تكتمل هذه الخماسية داخلياً، لا تكتفي الأنظمة بالقمع، بل تمارس ازدواجية صارخة في التعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية، لتكشف عن مفارقات تهز الوجدان والعقل.

7. المفارقات الصارخة.. تحريم التظاهر وإباحة الإبادة

في مشهد عبثي لا يكتبه إلا الواقع العربي المأزوم، تتكشف مفارقات تهز أركان العقل: مجتمعات تحرم التظاهر السلمي بوصفه "فتنة وفساداً في الأرض"، وترفع شعار "لا خروج على ولي الأمر" كأنه نص قرآني، بينما تغض الطرف عن إبادة جماعية لشعوب بأكملها. يُضخّم النظام والإعلام الموالي له قضايا هامشية لا تمس جوهر السلطة، ويروّج لها تحت شعارات "الحرية الفردية" أو "الهوية"، بينما يُصمّ الآذان عن فظاعات الإبادة الجماعية التي تمزق أوطاناً عربية كاملة. يتسابق علماء الدين الرسميون لإصدار فتاوى تحريم التظاهر السلمي، في حين يغيب صوتهم أو يتحول إلى تبرير خفي للمجازر التي تُرتكب بحق أطفال ونساء عزل في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا والسودان.

أي فقه هذا الذي يحرم صوتاً احتجاجياً سلمياً، ويبيح همجية تقتل آلاف المدنيين؟ إنه فقه السلطان لا فقه الرحمن. تتصدر قضايا الهامش الإعلامي المشهد لأنها تمثل "ترفاً فكرياً" لا يهدد النظام، بينما يُقتل العربي في غزة أو دارفور أو صنعاء دون فتوى تحريم، دون احتجاج، دون تظاهرات. هنا فقط "صمت مطبق". أليست "فاحشة" القتل الجماعي أشد جرماً عند الله من أي انحراف فردي؟

وبينما تُرتكب الإبادة الجماعية، تُقام الحفلات، ويُصفق للراقصات، وتُعرض الموديلات ملابسها. الإعلام الرسمي يتقن فن "الجبس": يغطي حفل فنان ساعة كاملة، ويمنح خبر القصف الجوي دقيقة واحدة. المجزرة تُعرض على أنها "عملية عسكرية محدودة"، والتظاهرة تُمنع بوصفها "إرهاباً فكرياً". هذا المزيج العجيب بين "الدين المسيّس" و"الإعلام الماجن" يخلق مجتمعاً منقسم الذات: لا الدين يصنع أخلاقاً، ولا الفن يصنع وعياً. كلاهما يعمل لصالح النظام الذي يريد مواطناً "مستأنساً" لا يفكر، لا يثور، لا يسأل.

وهذه المفارقات لا تولد من فراغ، بل هي نتاج مختبر سلطة متكامل، يربط بين القمع العسكري والتدجين الرمزي، ليشكل نموذجاً نراه جلياً في أعمال فنية كـ"مولانا"، التي لم تكن دراما خيالية، بل مرآة عاكسة لواقعنا.

8. مولانا والخطيئة الكبرى.. حين يقدس القطيع قاتله

في المشهد الختامي من مسلسل "مولانا"، لا نرى مجرد نهاية درامية لرجل هرب من جريمة قتل، بل نرى مرآة سوداء تعكس واقعنا. رجل يقتل صهره الضابط ثأراً لأخته، يهرب إلى قرية نائية، وبفعل "اقتصاد البركة" والجهل الممنهج، يتحول من قاتل فار إلى "إله" يُعبد ويُطاع. السؤال المحوري: لماذا ينجح "الرعاع" و"الشذاذ" في قيادتنا؟ ولماذا يظل المواطن العربي أسير "بلاهته" وخوفه، بائعاً حريته وعقله مقابل وهم "المستور والخلاص"؟

يكشف "مولانا" عن المختبر الحقيقي للسلطة؛ حيث تلتقي القوة الصلبة (العقيد) بالقوة الرمزية (مولانا). العسكر يزرعون الألغام ويفرضون الأتاوات، و"مولانا" يمنح الناس "البركة" والطمأنينة الزائفة. هذا التحالف ليس عبثياً، بل هو استراتيجية لإدارة المجتمع عبر توازنات القبلية والعائلية. تُستخدم "البركة" لتوزيع المنافع لضمان الولاء، وتُبنى صورة "الوطن" لتبرير القمع.

إن الطغمة الحاكمة بلغت من الجرأة حداً جعلها تعلن ضمناً أن الشعب لا علاقة له بتمثيله السياسي؛ فالمتنفذ هو من يعين ويرشح في "مجلس الشعب" بما يخدم أجنداته، مستخدماً جيشاً من المنافقين والمرتزقة الذين يحولون "البركة" إلى لغة أمنية تشرعن الاستبداد. والخطيئة الكبرى هنا ليست خطيئة "مولانا" الكاذب فقط، بل خطيئة "القطيع" الذي يقدسه. خطيئة المواطن الذي يبيع عقله مقابل وهم الخلاص. إنها جريمة نشترك فيها جميعاً بصمتنا، وتصفيقنا، وسكوتنا.

وإذا كان المشهد ينتهي عند تقديس القاتل وصمت القطيع، فإن السؤال الوجودي الحقيقي هو: هل من مخرج من هذه الحلقة المفرغة؟

9. الخاتمة: كسر الحلقة.. متى نستيقظ؟

ينتهي مسلسل "مولانا" بسؤال وجودي: متى يقرر أهل القرية أن يفتحوا أعينهم؟ وينتهي مقالنا بسؤال مشابه: متى يقرر المواطن العربي أن يكسر حلقة "الاستئناس" و"الخطيئة" و"التصفيق"؟

الخلاص لن ينزل من السماء، ولن يأتي على يد "مخلص" يرتدي ثوب القداسة وهو يخبئ خنجر القاتل، ولن يأتي من خلال راقصة تملك مدناً أو مطرباً يلهي الجماهير. يبدأ الخلاص بلحظة وعي فردية: أن تجرؤ على استخدام عقلك، أن تفك الارتباط بين "المقدس" و"السياسي"، أن تدرك أن "الحكم عارٍ" مهما حاول السحيجة إقناعك بجمال ردائه. أن ترفض أن تكون "ثوراً مستأنساً" في حلبة إنتاج الفساد، وأن تستعيد إنسانيتك التي اختزلتها الأنظمة في "حق التصفيق".

إن "أرض مولانا المستهلكة" لن تستعيد عافيتها إلا إذا توقفنا عن صناعة الأوثان، وحطمنا مرآة الوهم التي تجعلنا نرى في الجلاد "مولى" وفي القاتل "قديساً"، وفي الراقصة "بطلة قومية" وفي المفكر "شاذاً"، وفي العالم "مجنوناً". الدرس المستفاد من تجارب الأمم الناهضة ومن كوابيسنا المحلية هو: حاربوا الأفكار السيئة بالأفكار الجيدة، لا تقدسوا الأشخاص، حاسبوهم، لا تبيعوا عقولكم مقابل وهم الخلاص، ولا تصفقوا لمن لا يستحق التصفيق.

فمتى نختار أن نوقف الموسيقى، ونفتح الكتب، ونعيد للعقل قدسيته، ونحوّل التصفيق إلى مساءلة، والترفيه إلى تنمية، والبركة إلى عمل، والخطيئة إلى وعي، والاستئناس إلى تمرد خلاق، قبل أن يتحول المشهد العربي كله إلى شاهد قبر على أحلامنا؟

السؤال لم يعد: لماذا تأخرنا؟ بل: متى نختار أن نستيقظ؟ وهل مازال في جسد الأمة روح تريد النهوض، أم أننا أصبحنا فعلاً مجرد جمهور يصفق لمسرح عبثي لا يستحق التصفيق، وقطيعاً مستأنساً لا يعرف إلا صوت "مولانا" ورنة "الراقصة"؟

صناعة "مولانا" هي جريمة نشترك فيها جميعاً بصمتنا. فهل نكف عن الصمت؟ أم ننتظر حتى يأتي "مولانا" جديد ليبارك لنا إبادة أنفسنا؟

 

 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

خالد سعيد نزال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير