20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الفوضى السريالية وعسكرة الوهم: "الزر الأحمر".. هل يلوح لضرب إيران نووياً؟

السؤال المرعب الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن يتحول هذا الخطاب الاستعراضي إلى قرار كارثي فعلاً؟ أي هل يفكر ترامب بعقلية هيروشيما؟.

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١٨ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
37 مشاهدة
ترامب والزر الأحمر

ترامب والزر الأحمر

حين يصبح الزعيم أسيراً لصورته الرقمية، تتحول السياسة إلى مسرح أعصاب، وتصبح الحقيقة مجرد مؤثر بصري عابر. وبعبارة أخرى حينما تتحول الجيوسياسية إلى عرض مسرحي مُوجّه، وتُختزل الأزرار النووية في نقرات افتراضية على شاشات الهواتف، فإن العالم لا يواجه أزمة دبلوماسية فحسب، بل يواجه حالة من 'السيولة الوجودية' تقودها العدمية الرقمية."

لقد مل الرئيس الأميركي من خطاباته وتغريداته، منتقلً إلى ما يشبه “الحرب النفسية البصرية”، مستخدماً الذكاء الاصطناعي ومنصته Truth Social كمنصة لإدارة التوتر الداخلي والخارجي معاً، وكأن المشهد لم يعد مجرد منشورات مثيرة للجدل؛ بل بات أقرب إلى عقيدة إعلامية جديدة تقوم على صناعة الخوف، وعسكرة الذكاء الاصطناعي باستدعاء الخيال العسكري، وتضخيم صورة “القائد المنقذ” الذي يضغط زرّاً أحمر فتشتعل الشاشات بالصواريخ والانفجارات.

وهنا لابد من أن نسمع ضحكات وقهقهات الرئيس الكوري الشمالي لأن الزر لأحمر خاص به هو فقط، وكأن ترامب ينتقل من “الشعبوية السياسية” إلى “الشعبوية الرقمية المسلحة”، بل هو تجسيد حي لتحول الإستراتيجية السياسية العليا إلى "بروباغندا بصرية" تبتلع الواقع وتصنع بدلاً منه وهمًا عسكريًا مُمنهجًا.. حيث تمتزج الأكاذيب بالرموز العسكرية، والدعاية بالتهديد النووي، في لحظة دولية شديدة الهشاشة، خاصة مع إيران.

سيميوطيقا السخرية وهدم الخصوم

فخلال ساعات قليلة فقط، أغرق ترامب منصته بما يقارب 25 منشوراً مولداً بالذكاء الاصطناعي، حملت مضامين عسكرية وفضائية وأمنية شديدة الرمزية. ففي علم الاتصال السياسي، يعتمد هذا النوع من الخطاب على ما يسمى “تجسيد القوة المطلقة”، أي تحويل الزعيم إلى رمز فوق المؤسسات والدستور والقانون، فهو لم يستهدف خصومه فقط، بل استهدف أيضاً اللاوعي الأميركي الجمعي الذي يعيش هواجس الحرب، والصين، وإيران، والركود، والانقسام الداخلي. 

الأدهى أن ترامب أعاد توظيف الصور في سياق هجومي داخلي ضد شخصيات ديمقراطية بارزة عبر مقاطع ساخرة ومهينة سياسياً.. وهنا يمكننا رصد مثلث تيكتيكي:

•    الهيبة الافتراضية والمهانة الرمزية: عبر استهداف قيادات الحزب الديمقراطي مثل باراك أوباما، وجو بايدن، ونانسي بيلوسي، وحاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، باستهداف ضرب صورتهم الذهنية لدى الناخب الأميركي وتحويلهم من قادة سياسيين إلى "مادة للتهكم اليومي".

•    الزعيم الكوني الأوحد: إن ظهور ترامب يسير بجانب "كائن فضائي مكبل اليدين" تتبعه عناصر الخدمة السرية، أو إظهاره داخل محطة قيادة فضائية مدارية، يحمل دلالة فلسفية عميقة؛ وكأنه رد على الزيارة الصينية وقوتها الفضائية وطريقة استقباله المهينه، فهو يطرح نفسه كقائد يتجاوز حدود الأرض والزمن، متحكمًا في مصير الكوكب، ومُحجّمًا لكل الأخطار، حتى تلك القادمة من خارج العالم.

•    الهيبة الافتراضية: في ظل تراجع فاعلية الأدوات الدبلوماسية التقليدية، يلجأ ترامب إلى "الحرب الافتراضية" لتعويض جمود الواقع. صورة الطائرة الأميركية المسيّرة التي تستهدف الزوارق الإيرانية السريعة مع عبارة "وداعًا أيتها القوارب السريعة"، تعمل كرسالة ردع رمزية ومباشرة؛ لفرض شروطه، في حين ترد إيران باتهام واشنطن وتل أبيب بمحاولة زعزعة استقرارها عبر دعم جماعات تخريبية، مما يرفع منسوب المخاطر الأمنية في منطقة غرب آسيا بالكامل.

مقارنة تاريخية: هوس "الزر الأحمر" وظلال هيروشيما وناغازاكي

السؤال المرعب الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن يتحول هذا الخطاب الاستعراضي إلى قرار كارثي فعلاً؟ أي هل يفكر ترامب بعقلية هيروشيما؟. فعندما ينشر رئيس دولة عظمى مقاطع فيديو تظهره يضغط على زر أحمر كبير لتشتعل الشاشات بالانفجارات، فإننا ننتقل من مرحلة "الردع العقلاني" إلى مرحلة الجنون السياسي والتاريخ لا ينسى همجية الولايات المتحدة في استخدام السلاح النووي مرتين، مما يُعيد للذاكرة المأساة التاريخية الوحيدة لاستخدام السلاح النووي في هيروشيما وناغازاكي عام 1945م، والأخطر أن الحدث يتوافق مع هوس ترامب في "تطبيع فكرة الإبادة الجماعية" وجعلها مادة بصرية مستساغة. 

لقد كان الجنون النووي خلال الحرب الباردة قائماً على “توازن الرعب”، أما اليوم فإن الخطر يكمن في “شخصنة الرعب”، أي ربط مصير العالم بمزاج زعيم شعبوي سريع الانفعال، حيث تتحول العقيدة العسكرية من أداة لحفظ الأمن القومي إلى وسيلة للاستعراض الانتخابي الرقمي، مما يهدد بتكرار مآسي التاريخ نتيجة تقديرات متهورة.

شخصية سياسية تعيش على التوتر: إنه ليس سياسياً تقليدياً، بل ظاهرة إعلامية ونفسية قائمة على الصدام الدائم، فهو يحتاج إلى خصم دائم: (المهاجرون، الديمقراطيون، الصين، إيران، الإعلام، القضاء، وحتى المؤسسة الأميركية نفسها). 

وكلما انخفض مستوى التوتر، يصنع توتراً جديداً. وكأنه يعيش مرض التعلق الزائد لهوس كامن يجذبه لحبور في انفصام الأداء السياسي، يتجلى هذا بوضوح عندما يستغل ترامب فعالية رسمية وإنسانية في البيت الأبيض مخصصة لـ "الرعاية الصحية للأمهات"، ليقوم بتقديم عرض تمثيلي يحاكي عمليات عسكرية وأوامر إطلاق نار. هذا التناقض الصارخ يعكس شخصيته الهجومية على أي سياق مدني أو إنساني. لهذا تبدو منشوراته وكأنها مزيج من الدعاية الانتخابية، والغضب الشخصي، والبحث المستمر عن البطولة.

العالم بين الحقيقة والوهم

أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بالصواريخ، بل تلك التي تبدأ بتطبيع الجنون، وكأنها تختصر مرحلة دولية مرتبكة، يتداخل فيها الذكاء الاصطناعي مع الشعبوية، والإعلام مع التهديد النووي، والمنصات الرقمية مع حسابات الحرب. فعندما تصبح السياسة الخارجية رهينة للاندفاع الإعلامي، فإن احتمالات الخطأ الاستراتيجي ترتفع بصورة مخيفة. كما أن اعتماده المتزايد على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام عصر جديد من التضليل السياسي، حيث يصعب على الجمهور التمييز بين الواقع والمحاكاة. فترامب لا يدير مجرد حملة انتخابية؛ بل عيد تعريف السياسة بوصفها عرضاً بصرياً دائماً، يقوم على الصدمة والاستفزاز والخوف.

وقفة:

إن فهم المخاطر المستقبلية يتطلب منا ألّا ننقاد وراء العروض البصرية البراقة التي يضخها ترامب عبر منصته، بل تفكيكها كأدوات بروباغندا تهدف إلى التضليل وحشد الدعم عبر إثارة الذعر. إن المشهد الدولي المعقد يتطلب حكمة وعقلانية سياسية تفتقر إليها منصات التواصل الاجتماعي، ولن ينجو العالم من أزماته الراهنة إلا بالعودة إلى طاولة الدبلوماسية الحقيقية بعيدًا عن ألعاب الفيديو السياسية وزيف الذكاء الاصطناعي.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير