تواجه منظومة الصحة العالمية، اختبارا قاسيا وجديدا مع تفشي سلالة خطيرة ونادرة من فيروس إيبولا في القارة الإفريقية، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات احترازية مشددة لحماية أراضيها من تسلل الوباء.
وأعلنت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية، يوم الإثنين، عن تعزيز إجراءات الفحص الصحي العام ومراقبة المسافرين القادمين من مناطق الموبوءة.
وبموجب القرارات الجديدة، سيواجه حاملو جوازات السفر غير الأمريكية قيوداً صارمة تمنعهم من دخول البلاد لفترة تصل إلى ثلاثين يوماً، إذا تبين أنهم زاروا أوغندا، أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، أو جنوب السودان، خلال الأيام الواحد والعشرين الماضية، وهي الفترة التي تمثل الحد الأقصى لحضانة الفيروس الفتاك.
وتأتي هذه التحركات السريعة من السلطات الصحية في أمريكا لطمأنة الرأي العام الداخلي، حيث أوضح المركز في بيان رسمي نُشر على موقعه الإلكتروني أن الخطر المباشر على عامة الشعب الأمريكي لا يزال منخفضاً في الوقت الحالي.
ومع ذلك، رهن المركز استمرار هذه الإجراءات بطبيعة التطورات الميدانية للمرض، مؤكداً أنه يتابع الموقف المتغير عن كثب لتعديل سياسات الصحة العامة كلما توفرت معلومات إضافية. وتنسق واشنطن بشكل مكثف مع شركات الطيران والمنافذ الحدودية والشركاء الدوليين لتحديد هوية أي مسافر قد يكون تعرض للمرض، مستندة في قرارات المنع إلى "البند 42" القانوني الذي يتيح للسلطات اتخاذ تدابير استثنائية لحماية الأمن الصحي للبلاد.
جغرافيا الموت وسلالة بونديبوجيو
تتزامن الإجراءات الأمريكية الصارمة مع إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية العامة على مستوى العالم، بعد أن سجلت التقارير الطبية الميدانية أكثر من 300 حالة مشتبه بها، ونحو 88 حالة وفاة في بؤر التفشي. ورغم أن أمريكا اتخذت خطوة سياسية بالانسحاب الرسمي من منظمة الصحة العالمية في عام 2026 الحالي، إلا أن مسؤولي مراكز السيطرة على الأمراض أكدوا استمرار التنسيق الفني والدعم الميداني مع وزارات الصحة في الدول الإفريقية المتضررة.
وتدعم الوكالة الأمريكية جهود الاستجابة عبر مكاتبها الإقليمية في الكونغو وأوغندا لتعقب المخالطين، وفحص الحدود، وتوزيع معدات الوقاية الشخصية، في محاولة للسيطرة على الوباء الذي تسبب اكتشافه المتأخر في إثارة قلق عارم لدى الأوساط الطبية الدولية.
وما يضاعف من خطورة هذا التفشي الأخير هو طبيعة السلالة المنتشرة، حيث أكدت الفحوصات المعملية أنها تعود إلى سلالة "بونديبوجيو" (Bundibugyo)، وهي سلالة شرسة ومقلقة لعدم توفر أي لقاح مرخص لها حتى الآن، مما يجعل العلاج مقتصراً على تقديم الرعاية الطبية الداعمة للمريض. ووفقاً لتقارير مراكز السيطرة على الأمراض، تتراوح معدلات الوفيات بهذه السلالة بين 25 و50 بالمئة من إجمالي المصابين، وتتمثل أعراضها في معاناة المريض من حمى شديدة، وصداع حاد، وتقيؤ، وضعف عام في الجسد، وآلام في البطن، وصولاً إلى الأعراض النزفية الخطيرة مثل نزيف الأنف وتقيؤ الدم، وهي أعراض تبدأ بالظهور خلال فترة تتراوح بين يومين و21 يوماً من لحظة التعرض للمصدر الحامل للمرض.
رصد المصابين ومساعي الإجلاء
تظهر البيانات الإحصائية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن الفيروس ينتشر في جمهورية الكونغو الديمقراطية بشكل رئيسي بين الفئات الشابة والمنتجة، وتحديداً في المرحلة العمرية الممتدة بين 20 و39 عاماً، وتشكل الإناث نحو ثلث الحالات المسجلة.
وأبدى خبراء الأوبئة مخاوف جادة من تنامي معدلات العدوى بين أفراد الأسرة الواحدة ومقدمي الرعاية الصحية في المنازل والمستشفيات، نظراً لطبيعة الفيروس الذي ينتقل مباشرة عبر سوائل الجسم والمخالطة اللصيقة. ودفع هذا التدهور البيئي والمسار التصاعدي للإصابات الإدارة الأمريكية إلى بدء ترتيبات معقدة بين الوكالات الحكومية لتأمين إجلاء مواطنيها المتواجدين في المناطق المنكوبة.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير لها عن احتمالية تعرض عدد من الرعايا الأمريكيين للفيروس في مناطق التفشي الإفريقية. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة داخل الإدارة الأمريكية اشترطت عدم كشف هويتها، أن شخصاً أمريكياً واحداً على الأقل بدأت تظهر عليه الأعراض المرضية، وهو ما قد يتطلب ترتيب رحلة إجلاء طبي خاصة وفائقة التعقيم لنقله إلى مراكز معزولة داخل الولايات المتحدة.
وتعيد هذه الأنباء إلى الأذهان موجات التفشي التاريخية للمرض الذي اكتشف لأول مرة عام 1976 في السودان والكونغو، واكتسب اسمه من نهر إيبولا، ليظل منذ عقود كابوساً يؤرق المنظومات الصحية العالمية لما يتسبب فيه من حمى نزفية قاتلة تفقد الأطباء القدرة على السيطرة عليها.








