“حين عدنا بعد أسابيع من التهجير إلى أطراف القرية، لم أعرف الطريق إلى بيتنا. الأشجار بقيت، لكن البيوت اختفت. كنت أمشي فوق المكان كأنني أمشي فوق قبر كبير.” — شهادة ناجية من قرية الطنطورة، أرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
بعد أكثر من سبعين عاماً على تلك الشهادة، كانت أم فلسطينية في غزة تبحث بين الركام عن يد طفلها كي تتمكن من دفنه. لم تكن تبحث عن جثمان كامل، بل عن دليل صغير يثبت أن الطفل كان موجوداً فعلاً، وأنه لم يتحول إلى رقم إضافي داخل نشرات الأخبار. وبين المشهدين، لا يقف الزمن بوصفه فاصلاً تاريخياً، بل شاهداً على استمرارية البنية ذاتها؛ بنية الاقتلاع والمحو وإدارة الموت الفلسطيني.
فما جرى سنة 1948 لم يكن مجرد حرب انتهت بتهجير شعب من أرضه، بل تأسيساً لنظام استعماري استيطاني ما يزال يعيد إنتاج نفسه حتى اليوم بأشكال أكثر عنفاً وحداثة. ولهذا، لا تبدو النكبة حدثاً منتهياً في الماضي، بل سيرورة مستمرة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والذاكرة الفلسطينية. بالاقتلاع لم يستهدف الفلسطيني بوصفه فرداً فقط، بل استهدف إمكان وجوده التاريخي نفسه؛ حقه في المكان، وفي السردية، وفي المستقبل.
لقد تحولت النكبة، عبر العقود، من كارثة تأسيسية إلى بنية استعمارية مفتوحة. ومن هنا، فإن المجازر، والاستيطان، والحصار، والتجويع، وتدمير المدن والقرى، ومنع العودة، وتجريف المقابر، واحتجاز الجثامين، والمقابر الجماعية، والمحو الممنهج للبيوت والشوارع والأماكن الاثرية، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات داخل منطق واحد يقوم على الإزالة والإحلال ومحو الأصلاني.
وفي السنوات الأخيرة، وخصوصاً منذ الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عاد النقاش العالمي بصورة غير مسبوقة حول طبيعة العنف الإسرائيلي: هل يتعلق الأمر بحرب تقليدية؟ أم بتطهير عرقي؟ أم أن ما يحدث يمثل شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية المتواصلة؟ هذا السؤال لم يعد أكاديمياً فقط، بل أخلاقياً وقانونياً وسياسياً في آن واحد. فقد اتهم عدد متزايد من الباحثين وخبراء القانون الدولي إسرائيل بالتحريض على الإبادة أو ممارستها ضد الفلسطينيين، مستندين إلى طبيعة الخطاب الإسرائيلي الرسمي، وإلى الحجم غير المسبوق للتدمير واستهداف المدنيين والبنية الاجتماعية في غزة.
وفي المقابل، رفضت إسرائيل والولايات المتحدة ومنظمات غربية عديدة استخدام مفهوم “الإبادة الجماعية”، معتبرة أن هذا الاتهام يهدف إلى “شيطنة إسرائيل” أو نزع الشرعية عنها. غير أن هذا الرفض يكشف أزمة أعمق داخل المنظومة الغربية الحديثة؛ أزمة تتعلق بمن يملك حق تعريف الضحية، ومن يستحق الاعتراف الكامل بإنسانيته وألمه.
ان ما يميز الابادة الجماعية في غزة ليس في كونها المجزرة الأولى التي جرت في العصر الحديث أو في القرن ال21 بل في كونها المذبحة الأولى التي قوبلت بصمت مطبق وتجاهل دولي غير مسبوق . ففي عام 1994 ذبح 800 ألف إنسان في رواندا خلال مئة يوما، حينها لم يصمت العالم طويلا بل تحرك ليوقف نزيف الدم، لكن اليوم لجان الأمم المتحدة ذاتها تصرح بأن ما يحدث في غزة هو ابادة جماعية مكتملة الأركان لكن العالم هذه المرة يكتفي بدراسة الأمر " بينما تستمر المجازر. وفي سربرنيتسا عام 1995 ذبح 8 آلاف رجل وصبي مسلم خلال أيام معدودة، حينها رسم العالم خطا أحمرا و تدخلا عسكريا لوقف الجريمة- وان استمرت الابادة باشكال مختلفة وعلى ايادي غير صربية - أما اليوم في غزة قتل أضعاف هذا العدد من الاطفال وحدهم، بينما الارقام تتصاعد والصمت يزداد عمقا، الفرق الوحيد ليس في حجم الماساة بل في من يملك حق القتل ومن يحمي القاتل.
ولنتذكر أن في غزة وحدها سقط 100 ألف انسانا بين شهيد ومفقود في مقصلة التاريخ، بينهم أكثر من 20 ألف طفل قصف أرواحهم قبل أن تبدأ، و 2700 عائلة محيت تماما من السجلات، وسحقت بيوتهم وذكرياتهم حتى لم يبق لهم أثرا في عداد الأحياء. كما هناك 248 فقدوا عيونهم وقتل مئات الصحفيين و1670 طبيب وممرض قتلوا اثناء خدماتهم للمصابين، ولدينا مليون طفل يقفون على حافة الجوع في جريمة لا تعرف الصدفة بل هي قرار معلن بخنق الحياة وتجويع الناس.
حين صمتت المدافع في رواندا واطلق العالم وعودا بأن لن تتكرر جرائم الابادة جفت الدماء في البوسنة . تصرخ غزة اليوم في وجوه الضمائر الميتة : متى تصبح الوعود حقيقية؟
تنطلق هذه الورقة من مقاربة ما بعد استعمارية وحقوقية ترى أن النكبة ليست حدثاً تاريخياً مغلقاً، بل بنية استعمارية مستمرة، وأن العلاقة بين النكبة والإبادة ليست علاقة تعارض، بل علاقة تاريخية داخل منطق الاستعمار الاستيطاني نفسه.
أولاً: النكبة بوصفها بنية استعمارية مستمرة
لا يمكن فهم النكبة بعيداً عن البنية الفكرية للاستعمار الاستيطاني الحديث. فهذا النمط من الاستعمار لا يهدف فقط إلى السيطرة السياسية أو الاقتصادية، بل يقوم على إزالة السكان الأصليين وإحلال جماعة استعمارية محلهم. ولذلك، فإن الاستعمار الاستيطاني لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى إعادة تعريفها وإنتاجها بوصفها فضاءً خالياً من أصحابها التاريخيين.
في فلسطين، لم تكن الصهيونية مشروعاً قومياً تقليدياً، بل مشروع إحلال استيطاني حديث، استند منذ بداياته إلى مقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهي مقولة لم تكن وصفاً للواقع، بل أداة رمزية لمحو الفلسطيني وإنكار وجوده التاريخي.
لقد شهدت سنة 1948 تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني وتدمير ما يزيد على 531 قرية ومدينة. غير أن التدمير لم يكن مادياً فقط، بل كان أيضاً عملية منظمة لمحو الذاكرة. فقد جرى تغيير أسماء القرى، وتجريف المقابر، وزراعة الغابات فوق أنقاض البيوت الفلسطينية، في محاولة لإعادة كتابة المكان نفسه.
وهنا تكمن خصوصية النكبة: فهي ليست مجرد طرد جماعي، بل مشروع طويل لإنتاج الفلسطيني بوصفه غريباً عن وطنه، أو فائض وجود يمكن الاستغناء عنه. ولهذا، فإن النكبة لم تنتهِ سنة 1948. لقد استمرت عبر الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والحصار، وتقسيم الفلسطينيين جغرافياً وسياسياً، وتحويل حياتهم اليومية إلى حالة دائمة من الطوارئ والاقتلاع.
تروي ناجية من قرية الطنطورة في شهادة موثقة ضمن الأرشيف الشفوي الفلسطيني: “حين أجبروا على الرحيل، قالت أمي: لا تنظروا خلفكم كثيراً حتى لا تموت قلوبكم. لكنني بقيت أنظر إلى البحر، كأنني أريد أن أحمله معي.”
تكشف هذه الشهادة أن النكبة لم تكن مجرد فقدان للمكان، بل اقتلاعاً عاطفياً ووجودياً من العالم. فالفلسطيني لم يخسر بيته فقط، بل خسر أيضاً إحساسه الطبيعي بالأمان والانتماء والاستمرارية. ولهذا، فإن التهجير لم يكن نتيجة جانبية للحرب، بل جزءاً من منطق استعماري يقوم على إزالة الأصلاني وإحلال المستوطنين مكانهم.
وقد شرح الباحث باتريك وولف هذا المنطق بمفهوم “الإزالة”، معتبراً أن الاستعمار الاستيطاني ليس حدثاً عابراً بل بنية دائمة، لأن المستعمِر يحتاج إلى اختفاء السكان الأصليين كي يكتمل مشروعه. وهذه الإزالة لا تتحقق دائماً عبر القتل المباشر، بل أيضاً عبر الطرد، والتجويع، والعزل، وتفكيك البنية الاجتماعية والثقافية للشعب الأصلي.
ومن هنا، ظهرت مفاهيم مثل “الإبادة المكانية” و”الإبادة الحضرية” لوصف الحالة الفلسطينية، وخصوصاً في غزة، حيث لم يعد التدمير يستهدف الإنسان فقط، بل المجال العمراني والاجتماعي والثقافي الذي يسمح باستمرار الحياة الفلسطينية.
وقد استخدم بعض الباحثين مفهوم “الإبادة المكانية” لوصف هذا النمط من العنف، باعتباره استهدافاً المجال الفلسطيني نفسه، وليس للأفراد فقط. فالمكان هنا يتحول إلى هدف للحرب: البيوت، والمستشفيات، والجامعات، والطرقات، والبنية التحتية التي تجعل الحياة ممكنة.
لكن ما شهدته غزة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023 كشف أن الإبادة المكانية يمكن أن تتحول سريعاً إلى أفق إبادي أشمل، يستهدف الإنسان والمكان معاً. فقد تعرض القطاع لتدمير واسع طال الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، إلى جانب استخدام التجويع والحصار ومنع المساعدات الإنسانية بوصفها أدوات حرب.
يروي طبيب فلسطيني من مستشفى الشفاء في شهادة نقلتها منظمات حقوقية سنة 2024: “في البداية كنا نعدّ الجرحى، ثم بدأنا نعدّ الأحياء. كانت الجثث أكثر من الأسرة، والناجون أقل من الذاكرة.”
تكشف هذه الشهادة أن العنف في غزة تجاوز حدود الحرب التقليدية، ليصبح استهدافاً شاملاً لشروط الحياة الفلسطينية نفسها. بالإبادة هنا لا تظهر فقط في القتل المباشر، بل أيضاً في تدمير القدرة على البقاء والاستمرار الإنساني. وفي شهادة أخرى لامرأة نجت من قصف في رفح، قالت: “لم أعد أخاف الموت، بل أخاف أن نموت جميعاً من دون أن يتذكرنا أحد.”
وتكشف هذه العبارة العلاقة العميقة بين الإبادة والذاكرة؛ المشروع الاستعماري لا يكتفي بإنتاج الموت، بل يسعى أيضاً إلى تحويل الضحية إلى غياب بلا أثر.
ولهذا، فإن الذاكرة الفلسطينية تحولت إلى شكل من أشكال المقاومة ضد المحو. إن خصوصية النكبة الفلسطينية تكمن في أنها لم تتحول إلى ماضٍ مغلق، بل بقيت بنية استعمارية متحركة تتخذ أشكالاً مختلفة بحسب اللحظة السياسية والتاريخية. الطرد الذي بدأ سنة 1948 استمر عبر الاستيطان، والحصار، والعزل، والإبادة البطيئة، وصولاً إلى حرب الإبادة المفتوحة على غزة.
وقد عبّر إلياس خوري عن هذه الفكرة بمفهوم “النكبة المستمرة”، معتبراً أن الفلسطيني لا يعيش ذكرى النكبة، بل يعيش داخلها. فالماضي لم ينقضِ، بل يعيد إنتاج نفسه يومياً في الحصار، والمنفى، والاستيطان، والقتل، والمنع، والخوف الدائم من المحو. ولهذا، فإن النكبة لا تبدو نقيضاً للإبادة الجماعية، بل إحدى صيغها التاريخية المتواصلة داخل منطق الاستعمار الاستيطاني الحديث؛ منطق يقوم على الإزالة التدريجية للفلسطينيين، سواء عبر اقتلاعه من المكان، أو محو ذاكرته، أو تدمير شروط حياته ومستقبله.
ثانياً: الإشكالية الغربية — بين الاستعمار التقليدي و إنكار الإبادة
تكشف القضية الفلسطينية واحدة من أعمق الأزمات الأخلاقية والسياسية في الحداثة الغربية؛ إذ لا يتعلق الجدل القائم حول توصيف ما يحدث للفلسطينيين بخلاف قانوني محض، بل بنية معرفية كاملة تحدد من يملك حق تعريف الضحية، ومن يستحق الاعتراف الكامل بإنسانيته، ومن يمكن استثناؤه من الحماية الأخلاقية والقانونية باسم التاريخ أو الجغرافيا السياسية أو “خصوصية الحالة”.
فعلى الرغم من الحجم الهائل للعنف الواقع على الفلسطينيين منذ سنة 1948، ظلّ الغرب الرسمي متردداً في استخدام مفهوم “الإبادة الجماعية” لوصف ما يحدث في فلسطين، حتى بعد مشاهد الدمار غير المسبوقة في غزة منذ سنة 2023.
وغالباً ما جرى اختزال القضية الفلسطينية داخل مفاهيم مثل “النزاع”، أو “العنف المتبادل”، أو “الحرب على الإرهاب”، بما يخفي البنية الاستعمارية التي تحكم العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين. ولا يمكن فهم هذا التردد الغربي بعيداً عن مركزية الهولوكوست داخل الوعي الأوروبي الحديث.
فبعد الحرب العالمية الثانية، تشكل مفهوم الإبادة الجماعية أخلاقياً وقانونياً بوصفه مرتبطاً أساساً بالمحرقة النازية ضد اليهود. ومن هنا، أصبحت الهولوكوست المرجعية الأخلاقية العليا للشر المطلق داخل المخيال الغربي، وتحولت إسرائيل، بوصفها دولة نشأت بعد تلك الكارثة، إلى كيان يحظى بنوع من “الاستثناء الأخلاقي” داخل الخطاب السياسي الغربي.
هذا الاستثناء لم يمنح إسرائيل حصانة سياسية فقط، بل أنتج أيضاً نوعاً من التردد البنيوي في مساءلته أخلاقياً وقانونياً. بالنسبة إلى جزء واسع من النخب الغربية، يبدو من الصعب تخيل أن جماعة عاشت تجربة الإبادة يمكن أن تمارس عنفاً يحمل طابعاً إبادياً ضد شعب آخر.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في الحداثة الغربية: إذ يتحول تاريخ الضحية أحياناً إلى غطاء يمنع رؤية ضحايا الحاضر. ولهذا، جرى التعامل مع الفلسطيني في كثير من الأحيان باعتباره “مشكلة سياسية” أو “ملفاً أمنياً”، لا بوصفه شعباً يعيش تحت استعمار استيطاني طويل.
بل إن بعض الخطابات الغربية ذهبت إلى اعتبار مجرد استخدام مفهوم “الإبادة الجماعية” في الحالة الفلسطينية نوعاً من “معاداة السامية” أو محاولة لـ”شيطنة إسرائيل”.
لكن هذه المقاربة تكشف أيضاً مركزية أوروبية في تعريف الإبادة نفسها. فالغرب تعامل تاريخياً مع الإبادة بوصفها حدثاً أوروبياً استثنائياً، بينما جرى تهميش أو تطبيع الإبادات التي رافقت المشاريع الاستعمارية الحديثة في أفريقيا وآسيا والأمريكتين وأستراليا.
لقد قامت التجربة الاستعمارية الغربية نفسها على الإزالة التدريجية للشعوب الأصلانية، سواء عبر القتل المباشر أو التهجير أو التجويع أو العزل أو التدمير الثقافي. لكن هذه الجرائم غالباً ما جرى تقديمها لاحقاً بوصفها “تاريخاً تأسيسياً” للدولة الحديثة، لا بوصفها جرائم إبادة مستمرة.
ومن هنا، فإن الاعتراف بالنكبة الفلسطينية بوصفها جزءاً من بنية إبادة استعمارية لا يهدد إسرائيل وحدها، بل يهدد أيضاً السردية الغربية الحديثة حول ذاتها باعتبارها حاملة لمشروع الحضارة وحقوق الإنسان. ففلسطين تكشف أن الحداثة الغربية لم تكن فقط مشروعاً للتحرر، بل أيضاً مشروعاً استعمارياً قام على الإقصاء والعنف وإعادة تعريف الإنسان وفق معايير القوة الأوروبية.
وفي هذا السياق، يصبح “الاستثناء الإسرائيلي” امتداداً طبيعياً للاستثناء الاستعماري الغربي نفسه. فكما جرى تاريخياً تبرير إبادة السكان الأصليين في الأمريكتين وأستراليا باسم التمدن والتقدم، يجري اليوم تبرير العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين باسم “الدفاع عن النفس” أو “الحرب على الإرهاب”. ولذلك، فإن الجدل حول فلسطين لا يتعلق فقط بالقانون الدولي، بل بالبنية الأخلاقية للنظام العالمي نفسه: من يُنظر إليه بوصفه إنساناً كاملاً؟ ومن تُحتسب حياته جديرة بالحزن؟ ومن يملك حق تعريف الجريمة؟
وقد ظهر هذا التناقض بوضوح خلال الحرب على غزة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023. فبينما كانت صور الأطفال تحت الأنقاض والمستشفيات المدمرة تنتشر عالمياً، ظل الخطاب السياسي الغربي الرسمي متردداً في توصيف ما يحدث بوصفه إبادة جماعية، على الرغم من تحذيرات خبراء القانون الدولي ودراسات الإبادة.
وفي هذا السياق، تكتسب مواقف مؤرخين وباحثين يهود وإسرائيليين أهمية خاصة. فقد حذر مؤرخ الهولوكوست الإسرائيلي عومير بارتوف من أن الخطاب الصادر عن مسؤولين إسرائيليين كبار يمكن تفسيره بوصفه مؤشراً على نية إبادة جماعية، وخصوصاً مع استخدام تعبيرات تجريدية تصف الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية” أو تنفي عنهم صفة البراءة الجماعية.
كما أن عدداً متزايداً من الباحثين في دراسات الإبادة الجماعية بدأوا يشيرون إلى أن الإصرار على حصر الإبادة في نموذج الهولوكوست الأوروبي يمنع فهم أشكال العنف الاستعماري الحديثة، التي قد تكون تدريجية وممتدة زمنياً، لا انفجاراً دموياً سريعاً فقط.
وهنا تبرز أهمية المقارنة مع البوسنة والهرسك، وخصوصاً مجزرة سريبرينيتسا سنة 1995. ففي تلك اللحظة أيضاً، تأخر المجتمع الدولي في الاعتراف بطبيعة الجريمة، على الرغم من وضوح خطاب الكراهية واللا إنسانية والحصار والقتل الجماعي.
وقد احتاج الأمر إلى سنوات حتى اعترفت المحاكم الدولية رسمياً بأن ما جرى يمثل إبادة جماعية. إن المقارنة بين البوسنة وفلسطين لا تهدف إلى التطابق الكامل بين التجربتين، بل إلى الكشف عن آلية عمل النظام الدولي نفسه. ففي الحالتين، جرى تصوير الضحايا بوصفهم تهديداً أمنياً أو ديموغرافياً، وتأخر الاعتراف بطبيعة العنف إلى ما بعد اتساع الكارثة.
لكن الفارق الجوهري أن الإبادة في البوسنة وقعت داخل حرب محددة زمنياً، بينما يعيش الفلسطيني داخل بنية استعمارية ممتدة منذ سنة 1948. وهذا ما يجعل النكبة أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تظهر فقط في لحظة المجزرة، بل في استمرارية الطرد والاستيطان والحصار ومنع العودة ومحو الذاكرة.
وفي ظل هذا التحول العالمي في الوعي، جاءت مرافعة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بوصفها لحظة مفصلية في النقاش الحقوقي والسياسي حول فلسطين. جنوب أفريقيا، الخارجة من تجربة الفصل العنصري، لم تتعامل مع ما يحدث في غزة باعتباره مجرد حرب، بل بوصفه امتداداً بنية استعمارية طويلة بدأت مع النكبة.
وقد استندت الدعوى الجنوب أفريقية إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لسنة 1948، معتبرة أن الحصار، والتجويع، والقتل الجماعي، وتدمير البنية المدنية، ومنع شروط الحياة الأساسية، تمثل أفعالاً تدخل ضمن تعريف الإبادة الجماعية. ولم يكن مهماً فقط مضمون الدعوى، بل أيضاً رمزية الجهة التي قدمتها.
جنوب أفريقيا أعادت ربط القضية الفلسطينية بتاريخ الاستعمار والعنصرية العالمية، ونقلت النقاش من إطار “الحرب” إلى إطار الاستعمار والإبادة وحقوق الشعوب الأصلية. كما أن انضمام دول ومنظمات وشخصيات قانونية وحقوقية إلى دعم الدعوى كشف عن تصدع متزايد داخل الرواية الغربية التقليدية حول إسرائيل.
فقد بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وخصوصاً في الجنوب العالمي وأوساط أكاديمية وحقوقية غربية، ترى فلسطين ضمن سياق أوسع من العنف الاستعماري الحديث. ومع ذلك، لا يزال الجدل قائماً داخل المؤسسات القانونية والسياسية الدولية.
فهناك من يرى أن استخدام مفهوم “الإبادة الجماعية” يتطلب إثبات “نية تدميرية كاملة”، بينما يرى آخرون أن هذا الفهم ضيق ويتجاهل الطبيعة التدريجية والمعقدة للإبادة في السياقات الاستعمارية الحديثة. وهكذا، لا يكشف الجدل حول فلسطين فقط أزمة القانون الدولي، بل أزمة النظام العالمي نفسه؛ نظام ما يزال عاجزاً عن التحرر الكامل من إرثه الاستعماري، حتى وهو يتحدث باسم العدالة وحقوق الإنسان.
ثالثاً: من سريبرينيتسا إلى غزة — الإبادة بين الحدث والبنية
حين سقطت سريبرينيتسا سنة 1995، كان العالم يشاهد الإبادة الجماعية تُرتكب أمامه بصورة شبه مباشرة. آلاف الرجال والفتيان البوسنيين أُعدموا، والمقابر الجماعية امتلأت بالجثامين، بينما تأخر الاعتراف الدولي بالجريمة إلى ما بعد اتساع نطاق المذبحة.
واليوم، تعود صور مشابهة من غزة: أطفال تحت الأنقاض، عائلات أُبيدت بالكامل، مستشفيات مدمرة، ومقابر جماعية تُفتح على عجل تحت الحصار والجوع والقصف. إذا كانت سريبرينيتسا تمثل لحظة إبادة مكثفة داخل زمن حرب قصير نسبياً، فإن فلسطين تكشف شكلاً مختلفاً وأكثر تعقيداً من العنف؛ إذ تتحول الإزالة إلى بنية دائمة، ويتحول الفلسطيني إلى كائن يعيش داخل زمن إبادي ممتد، لا يبدأ بالمجزرة ولا ينتهي عندها.”
إن المقارنة بين البوسنة وفلسطين لا تهدف إلى المساواة الميكانيكية بين التجربتين، بل إلى فهم الكيفية التي يعمل بها العنف الحديث حين يتحول الإنسان إلى فائض ديموغرافي أو خطر أمني ينبغي التخلص منه. كما أن المقاربة بين التجربتين لا تهدف إلى الادعاء بوجود تطابق تاريخي كامل بين البوسنة وفلسطين، فلكل تجربة سياقها السياسي والاستعماري المختلف، وإنما تهدف إلى تحليل الكيفية التي يتحول فيها الخطاب الإنساني والقانوني الدولي إلى أداة انتقائية، تعترف ببعض الضحايا وتتردد أمام ضحايا آخرين.
لكن ما يلفت النظر في التجربتين هو التشابه العميق في البنية الخطابية والسياسية التي سبقت العنف الجماعي. ففي كلتا الحالتين، جرى تصوير الجماعة المستهدفة بوصفها تهديداً وجودياً أو ديموغرافياً، وتم تجريدها تدريجياً من إنسانيتها داخل الخطاب السياسي والإعلامي. في البوسنة، استُخدمت اللغة القومية الصربية لتصوير المسلمين البوسنيين كجسم غريب داخل الأمة، وكخطر ينبغي التخلص منه.
وفي فلسطين، جرى تصوير الفلسطينيين، لعقود طويلة، بوصفهم “مشكلة ديموغرافية” أو “خطراً أمنياً”، وصولاً إلى استخدام تعبيرات صريحة تصفهم بـ”الحيوانات البشرية”، أو تنفي عن المدنيين صفة البراءة الجماعية.
وهنا تظهر إحدى السمات المركزية في كل مشروع إبادي: نزع الإنسانية عن الضحية. فالإبادة لا تبدأ بالمجزرة، بل تبدأ باللغة؛ حين يتحول الإنسان إلى رقم، أو خطر، أو فائض وجود، أو كائن يمكن قتله بلا شعور أخلاقي بالذنب.
كما تتقاطع الحالتان في استخدام الحصار والتجويع والعزل بوصفها أدوات للعنف الجماعي. فقد عاشت المدن البوسنية المحاصرة، مثل سراييفو و سريبرينيتسا، تحت ظروف قاسية من الجوع والقصف وانهيار الخدمات الأساسية، وهو ما تكرر بصورة أكثر اتساعاً في قطاع غزة، حيث تحوّل الحصار المستمر منذ سنة 2007 إلى أداة منظمة لإدارة الحياة والموت معاً.
يروي ناجٍ بوسني من سريبرينيتسا في شهادة موثقة بعد الحرب: “كنا ننتظر العالم كل يوم، لكن العالم كان يصل دائماً بعد المجزرة.”
وتبدو هذه العبارة شديدة القرب من شهادات الفلسطينيين في غزة خلال حرب الإبادة. إذ تقول امرأة فلسطينية من حي الشجاعية في شهادة نُقلت سنة 2024:
“كنا نسمع العالم يتحدث عنا طوال الوقت، لكن أحداً لم يوقف القصف.”
في الحالتين، يظهر العجز الدولي لا بوصفه فشلاً تقنياً فقط، بل بوصفه عجزاً أخلاقياً وسياسياً عن التعامل مع الضحية خارج حسابات القوة والمصالح. فالمجتمع الدولي لم يكن غائباً تماماً عن البوسنة، كما لم يكن غائباً عن غزة؛ بل كان حاضراً ببياناته ومفاوضاته ومراقبته، لكنه ظل عاجزاً عن منع الكارثة أو إيقافها في الوقت المناسب.
كما أن خطاب “الدفاع عن النفس” لعب دوراً مركزياً في تبرير العنف في الحالتين. ففي البوسنة، جرى تصوير العمليات العسكرية الصربية بوصفها ضرورة لحماية الأمة الصربية من التفكك أو التهديد الإسلامي، بينما تستخدم إسرائيل منذ عقود خطاب “الأمن” و”محاربة الإرهاب” لتبرير الحصار والقصف والقتل الجماعي في غزة.
لكن، على الرغم من أوجه التشابه هذه، فإن الفروقات البنيوية بين الحالتين تظل أساسية لفهم خصوصية التجربة الفلسطينية. فالبوسنة شهدت إبادة مكثفة زمنياً داخل حرب محددة نسبياً، بينما يعيش الفلسطيني داخل بنية استعمارية استيطانية ممتدة منذ سنة 1948.
لقد كانت سريبرينيتسا ذروة عنف داخل حرب أهلية وإقليمية انتهت لاحقاً باتفاق سياسي، أما فلسطين فتمثل حالة أكثر تعقيداً؛ لأن الإبادة لا تظهر فقط في لحظة الحرب، بل في استمرارية البنية الاستعمارية ذاتها. فالاستيطان، والحصار، ومصادرة الأراضي، ومنع العودة، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، ليست مجرد نتائج للحرب، بل أدوات دائمة لإدارة الإزالة الاستعمارية. فالفلسطيني يعيش داخل استمرارية من العنف المتراكم: من النكبة الأولى، إلى الاحتلال العسكري، إلى الاستيطان، إلى الحصار، إلى الحروب المتكررة، وصولاً إلى حرب الإبادة على غزة.
وهنا لا تصبح الإبادة حدثاً استثنائياً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل أفقاً دائماً يهدد الوجود الفلسطيني نفسه. وفي هذا السياق، تبدو غزة بين 2023 و2026 بوصفها لحظة كشف تاريخية؛ ليس فقط لأنها شهدت مستويات غير مسبوقة من التدمير والقتل الجماعي، بل لأنها كشفت أيضاً حدود الخطاب الحقوقي الغربي نفسه.
فقد ظهرت صور الأطفال المحترقين، والمستشفيات المدمرة، والعائلات التي أُبيدت بالكامل، أمام العالم بصورة مباشرة وغير مسبوقة. ومع ذلك، استمر جزء واسع من الخطاب السياسي الغربي في التردد أمام توصيف ما يحدث باعتباره إبادة جماعية، الأمر الذي كشف الفجوة العميقة بين المبادئ المعلنة للنظام الدولي وممارسته الفعلية.
وفي المقابل، ساهمت هذه الحرب في إحداث تحول واسع داخل الرأي العام العالمي، وخصوصاً بين الأجيال الشابة، التي بدأت ترى القضية الفلسطينية ضمن سياق أوسع من الاستعمار والعنصرية العالمية.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مركزياً في كسر الاحتكار التقليدي للرواية الغربية، عبر نقل الشهادات والصور الحية من داخل غزة مباشرة. لقد تحولت غزة إلى مرآة أخلاقية للعالم المعاصر؛ فهي لا تكشف فقط عن عنف الاستعمار الاستيطاني، بل تكشف أيضاً حدود العدالة الدولية ذاتها.
ولهذا، فإن السؤال الذي تطرحه فلسطين اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت الإبادة قد وقعت، بل بما إذا كان النظام العالمي نفسه قادراً على الاعتراف الكامل بإنسانية الفلسطيني خارج البنية الاستعمارية التي تشكل وعيه السياسي والأخلاقي.
ومن هنا، فإن المقارنة بين سريبرينيتسا وغزة لا تهدف إلى المساواة الميكانيكية بين التجربتين، بل إلى الكشف عن أن الإبادة الحديثة لم تعد دائماً حدثاً خاطفاً ينتهي بانتهاء المجزرة، بل يمكن أن تتحول، كما في الحالة الفلسطينية، إلى بنية استعمارية طويلة تُدار فيها الحياة والموت والذاكرة ضمن نظام دائم من الإقصاء والإزالة.
فلسطين وحدود العدالة والإنسانية
بعد ثمانية وسبعين عاماً على النكبة، لم يعد الفلسطيني يعيش كارثة ماضية فقط، بل يعيش داخل زمن مستمر من الاقتلاع والعنف وإدارة الموت. ولهذا، فإن النكبة ليست مجرد ذكرى وطنية، بل بنية استعمارية مفتوحة تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة؛ من التهجير والاستيطان إلى الحصار والتجويع والإبادة الجماعية. لكن أخطر ما في النكبة ليس قدرتها على تدمير المكان فقط، بل محاولتها المستمرة لتحويل الفلسطيني إلى كائن بلا تاريخ، وبلا رواية، وبلا مستقبل.
ولهذا، فإن المقاومة الفلسطينية لم تكن مقاومة عسكرية أو سياسية فقط، بل كانت أيضاً مقاومة للعدم؛ مقاومة ضد التحول إلى شعب فائض عن العالم. لقد كشفت غزة أن النظام الدولي المعاصر لا يعاني فقط من عجز سياسي، بل من أزمة أخلاقية عميقة. فالعالم الذي يشاهد صور الأطفال تحت الأنقاض ثم يختلف على تعريف الجريمة، هو عالم يعاني من تصدع في معنى العدالة ذاته.
ومع ذلك، فإن فلسطين ما تزال تفتح أفقاً إنسانياً مختلفاً. فالفلسطيني، رغم الحصار والموت والمنفى، ما يزال يكتب ويشهد ويتذكر. والذاكرة هنا ليست حنيناً رومانسياً إلى الماضي، بل فعل مقاومة ضد المحو. إنها إعلان دائم أن الجريمة لم تنجح في إلغاء أصحاب الأرض، وأن الرواية الفلسطينية ما تزال قادرة على اختراق جدران الصمت العالمي.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل ما يحدث في فلسطين إبادة جماعية؟ بل: ماذا يعني أن يرى العالم كل هذا العنف ثم يستمر في التردد الأخلاقي والسياسي أمامه؟ وربما تكمن مأساة فلسطين الكبرى في أنها لا تكشف فقط عن عنف الاستعمار، بل تكشف أيضاً حدود الإنسانية المعاصرة نفسها. ومع ذلك، تبقى الذاكرة الفلسطينية، بكل ما تحمله من ألم وشهادة وأمل، شكلاً من أشكال الانتصار على مشروع المحو؛ لأن الشعب الذي يواصل رواية قصته، رغم كل شيء، لم يُهزم بعد.
إن فلسطين اليوم ليست اختباراً للفلسطينيين وحدهم، بل اختبار للعالم كله: لعلاقته بالعدالة، وبالذاكرة، وبمعنى الإنسان نفسه.
المراجع
1. Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native”, Journal of Genocide Research, 2006.
2. Raphael Lemkin, Axis Rule in Occupied Europe, New York, 1973.
3. Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld Publications, 2006.
4. إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007.
5. نور الدين مصالحة، أرض أكثر وعرب أقل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.
6. وليد الخالدي، كي لا ننسى، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1997.
7. Sari Hanafi, “Spacio-cide”, Contemporary Arab Affairs, 2009.
8. زيغمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، مدارات، 2014.
9. حنة آرنت، إيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر، 2014.
10. Helen Fein, Accounting for Genocide, 1979.
11. Christopher Browning, Ordinary Men, HarperCollins, 1992.
12. الياس خوري، “النكبة المستمرة”، مجلة الدراسات الفلسطينية، 2012.
13. يائير أورون، المحرقة والانبعاث والنكبة، مدار، 2015.
14. Yehouda Shenhav, “The Nakba and the Melancholy of Mizrahi Jews”, 2006.
15. وثائق ومرافعات محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، 2024.
16. تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بشأن الحرب على غزة، 2023–2026.
17. تصريحات ومداخلات عومير بارتوف بشأن الحرب على غزة، 2023–2024.










