19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

معهد إسرائيلي: أنقرة تُعيد هندسة سوريا عسكريًا واقتصاديًا لمواجهتنا إقليميًا

تتحدث تقارير ومقالات بحثية غربية وإسرائيلية عن مشروع تركي متصاعد لبناء ما يشبه “الناتو الإسلامي”، عبر شراكات دفاعية ثلاثية تضم تركيا والسعودية وباكستان، مع توسيع النفوذ داخل سوريا ودول الشرق الأوسط.

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٣ مايو ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
22 مشاهدة
أردوغان وأحمد الشرع

أردوغان وأحمد الشرع

تشهد العلاقة بين تركيا وسوريا خلال عام 2026 تحولات متسارعة تتجاوز حدود التنسيق السياسي التقليدي، لتصل إلى مرحلة إعادة تشكيل البنية العسكرية والاقتصادية والأمنية للدولة السورية الجديدة وفق الرؤية التركية. فالتقارير الصادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية، وفي مقدمتها معهد “ألما” العبري، تنظر إلى ما يجري باعتباره مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد تقوده أنقرة لملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني بعد “حرب إيران الثانية”، وبناء محور إقليمي جديد ذي طابع إسلامي سني يمتد من تركيا إلى سوريا وربما إلى الخليج وآسيا الوسطى.

ووفق معهد "ألما"، يكشف التسارع الملحوظ في الاجتماعات السياسية والعسكرية بين أنقرة ودمشق خلال شهري أبريل ومايو 2026 عن انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة “الدعم” إلى مرحلة “إعادة الهيكلة”. فلقاءات الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والرئيس رجب طيب أردوغان على هامش منتدى أنطاليا للدبلوماسية لم تكن بروتوكولية، بل حملت رسائل تتعلق بإعادة ترتيب البيئة الأمنية السورية، وربط مستقبل الدولة السورية الجديدة بالمظلة التركية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

وتنظر إسرائيل بقلق متزايد إلى هذا المسار، خاصة أن التحركات التركية تأتي بالتوازي مع تصاعد الخطاب العدائي تجاه تل أبيب، وطرح مشاريع إقليمية تعتبرها مراكز أبحاث إسرائيلية نواة لـ”ناتو إسلامي” قد يتحول مستقبلاً إلى مظلة ضغط جيوسياسية وعسكرية على إسرائيل، خصوصًا مع محاولة أنقرة تقديم نفسها كقائد للعالم الإسلامي السني بالتوازي مع الحفاظ على عضويتها في حلف الناتو وعلاقاتها بواشنطن.

جيش على الصورة التركية

وبحسب المعهد الإسرائيلي، فإن أخطر ما يلفت الانتباه في التحركات التركية الحالية يتمثل في مساعي أنقرة لإعادة تشكيل الجيش السوري الجديد وفق العقيدة القتالية والبنية التقنية التركية. فالتقارير الإسرائيلية تشير إلى أن تركيا لا تكتفي بتقديم الدعم السياسي لدمشق، بل تسعى عمليًا إلى التحكم في طبيعة القوات السورية وتسليحها وأنماط تشغيلها، بما يجعل المؤسسة العسكرية السورية مرتبطة تدريجيًا بالبنية الدفاعية التركية.

ويأتي هذا التحول بالتزامن مع قفزة هائلة في الصناعات العسكرية التركية. فقد ارتفعت صادرات الدفاع التركية خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة تجاوزت 12% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما سجّل عام 2025 رقمًا قياسيًا بعدما بلغت قيمة صادرات السلاح التركية أكثر من 10.5 مليارات دولار. ويعكس ذلك طموح أنقرة للتحول إلى واحدة من أكبر عشر دول مصدرة للسلاح عالميًا بحلول عام 2028.

وفي هذا السياق، افتتح أردوغان منشآت ضخمة لشركة “روكيتسان” الدفاعية باستثمارات تصل إلى مليار دولار، تشمل أكبر منشأة للرؤوس الحربية في أوروبا ومرافق لإنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز. كما كشفت تركيا خلال مؤتمر “ساها” الأمني عن صاروخ “يلدريم خان” الباليستي بمدى يصل إلى 6000 كيلومتر، في خطوة اعتُبرت إعلانًا صريحًا عن انتقال أنقرة إلى مرحلة جديدة من الاستقلالية العسكرية والتوسع الاستراتيجي.

وتخشى إسرائيل أن يتحول هذا التطور الصناعي إلى رافعة لإعادة بناء الجيش السوري على أساس تركي، سواء عبر برامج التدريب أو شراء الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة التركية، وهو ما قد يغيّر التوازنات العسكرية في سوريا مستقبلاً، ويحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

اقتصاد تابع

لا يقتصر النفوذ التركي المتنامي في سوريا على الجانب العسكري، بل يمتد بعمق إلى الاقتصاد والبنية التحتية والقطاع المصرفي، في محاولة لصناعة تبعية سورية طويلة الأمد للاقتصاد التركي. فالاتفاقيات المصرفية الجديدة بين أنقرة ودمشق، وإنشاء حسابات مشتركة بين البنكين المركزيين، تمثل خطوة عملية لربط الاقتصاد السوري بالنظام المالي التركي.

كما تعمل أنقرة على إطلاق مشاريع ضخمة في شمال سوريا، أبرزها مشروع المنطقة التجارية الحرة في إدلب، والذي يشمل إنشاء ميناء بري وتطوير معبر باب الهوى وربط المحور اللوجستي بين حلب واللاذقية ودمشق بالشبكة الصناعية التركية. هذه المشاريع لا تُقرأ اقتصاديًا فقط، بل باعتبارها أدوات لترسيخ النفوذ التركي داخل سوريا وتحويلها إلى امتداد اقتصادي وجغرافي لأنقرة.

وتدرك إسرائيل أن هذا الارتباط الاقتصادي سيمنح تركيا لاحقًا قدرة هائلة على التحكم في القرار السوري، ليس فقط عبر التمويل والاستثمار، بل أيضًا عبر التأثير المباشر على بناء الجيش السوري وتسليحه وإعادة الإعمار والبنية اللوجستية. فكلما ازداد اعتماد دمشق على أنقرة، تقلص هامش استقلال القرار السوري، وتحولت تركيا تدريجيًا إلى الوصي الفعلي على الدولة السورية الجديدة.

كما أن هذا التكامل الاقتصادي يأتي ضمن مشروع أوسع تسعى من خلاله أنقرة إلى خلق محور إقليمي يمتد من تركيا عبر سوريا وصولًا إلى الخليج وآسيا الوسطى، مستفيدًا من طرق التجارة والطاقة والبنية اللوجستية، بما يعزز الدور التركي كمركز إقليمي اقتصادي وعسكري في آن واحد.

توتر مع إسرائيل

التصعيد التركي المتزايد ضد إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة يعكس أن العلاقة بين الطرفين تجاوزت مرحلة الخلافات السياسية التقليدية نحو تنافس استراتيجي مفتوح على النفوذ الإقليمي. فبينما تحاول أنقرة تقديم نفسها وسيطًا في الحرب الإيرانية، يواصل أردوغان استخدام خطاب هجومي ضد إسرائيل، متهمًا تل أبيب بزعزعة الاستقرار الإقليمي وارتكاب جرائم حرب.

وفي هذا الإطار، أثارت الخطوات التركية الأخيرة قلقًا متزايدًا داخل المؤسسات الإسرائيلية، خاصة بعد توجيه محكمة في إسطنبول اتهامات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين الإسرائيليين بارتكاب “جرائم إبادة جماعية”. كما اعتبرت تل أبيب أن انطلاق “الأسطول المناهض لإسرائيل” من السواحل التركية باتجاه غزة يمثل محاولة تركية لاستفزاز إسرائيل وتكريس صورة أردوغان كـ”حامي الفلسطينيين”.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل التعامل مع تركيا باعتبارها “مصدر قلق استراتيجي”، خاصة في ظل احتمالات أن يؤدي أي تحرك عسكري إسرائيلي داخل سوريا مستقبلاً إلى احتكاك مباشر مع القوات أو المصالح التركية هناك.

ويبدو أن أنقرة تحاول الجمع بين دور “الوسيط” ودور “الخصم” في آن واحد؛ فهي تدير خطابًا تصالحيًا مع الغرب وتحافظ على عضويتها في الناتو، لكنها في الوقت ذاته توسع نفوذها العسكري والإيديولوجي في المنطقة وتطرح نفسها زعيمة للمحور الإسلامي السني في مواجهة إسرائيل وإيران معًا.

ناتو إسلامي

تتحدث تقارير ومقالات بحثية غربية وإسرائيلية عن مشروع تركي متصاعد لبناء ما يشبه “الناتو الإسلامي”، عبر شراكات دفاعية ثلاثية تضم تركيا والسعودية وباكستان، مع توسيع النفوذ داخل سوريا ودول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا. وترى مراكز الأبحاث الإسرائيلية أن هذه الشبكة العسكرية والاقتصادية ليست مجرد تحالفات عابرة، بل جزء من رؤية أردوغان لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

وتستند هذه الرؤية إلى توظيف الصناعات العسكرية التركية، والاتفاقيات الدفاعية، وشبكات الاستثمار والبنية التحتية، لصناعة حالة من الاعتماد المتبادل تجعل أنقرة مركز الثقل الرئيسي داخل هذا المحور الجديد. كما أن الحرب الإيرانية الأخيرة وفّرت لأنقرة فرصة تاريخية للتوسع داخل الفراغ الذي تركه تراجع النفوذ الإيراني في سوريا.

وتخشى إسرائيل أن يؤدي نجاح هذا المشروع إلى تطويقها إقليميًا بمحور يمتلك قدرات عسكرية متنامية وخطابًا سياسيًا معاديًا لها، خاصة مع التوسع الكبير في إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة التركية، ومحاولة أنقرة بناء نفوذ عسكري مباشر داخل سوريا.

وفي المقابل، تحاول تركيا تسويق هذا التوسع باعتباره مشروع “استقرار إقليمي” وإعادة توازن في المنطقة، إلا أن القراءة الإسرائيلية ترى فيه محاولة استراتيجية لإعادة رسم الشرق الأوسط وفق الرؤية التركية، وتحويل سوريا إلى قاعدة ارتكاز مركزية لهذا المشروع طويل الأمد.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

معهد إسرائيلي: أنقرة تُعيد هندسة سوريا عسكريًا واقتصاديًا لمواجهتنا إقليميًا - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°