21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من ميس الجبل إلى واشنطن: كيف يصنع الميدان المسار الدبلوماسي؟

في ميس الجبل، حيث يمتزج تراب الجنوب بعرق الفلاحين ودماء الشهداء، لا تسأل امرأة ثكلى عن جدوى المقاومة.

بقلم: خالد سعيد نزال
٢٥ مايو ٢٠٢٦
11 دقائق قراءة
15 مشاهدة
ميس الجبل

ميس الجبل

في ميس الجبل، حيث يمتزج تراب الجنوب بعرق الفلاحين ودماء الشهداء، لا تسأل امرأة ثكلى عن جدوى المقاومة. هناك، على خط التماس الأول، حيث حاولت قوات النخبة الإسرائيلية التوغل لفرض أمر واقع جديد، كُتبت المعادلة الأكثر تعقيداً في الصراع مع هذا الكيان. من هذه القرية الحدودية، لم تنطلق الرصاصات فقط، بل انطلقت معادلة "النار" التي تسبق "الكراسي المريحة"، محوّلة نقطة دفاع هامشية إلى منصة صنعت الحدث الميداني الذي أرغم العالم على صنع الخبر السياسي.

ميس الجبل: من جغرافية الدم إلى صناعة الخبر

لفهم هذا المسار من تراب الجنوب إلى غرف واشنطن، لا بد من تفكيك عملية موازية لا تقل شراسة عن الحرب: تحويل المقاومة إلى "إرهاب" وأحزابها إلى "خارجة عن القانون". المصطلحات أدوات قوة يعاد بها تشكيل الواقع، والصراع على تسمية ما يحدث في ميس الجبل هو الصراع ذاته على شرعية الطريق إلى واشنطن. هذا الطريق شُق على مدى عقود، وتوج بتحرير الجنوب عام 2000، أول نصر عربي على الاحتلال بقوة السلاح. 

في ذلك اليوم، انهار "جيش لبنان الجنوبي" العميل الذي أرادته إسرائيل درعاً واقياً، ليتفكك في أقل من 24 ساعة، تاركاً سلاحه ومواقعه. لم يكن هذا الإنجاز هبة، بل ثمرة تضحيات جسام دفعتها حاضنة شعبية قدمت أبناءها وبيوتها، مؤمنة بأن كرامة الوطن تصنع في الخنادق قبل أن تصاغ في بيانات السياسة. لهذا، فإن أي دعوة لنزع السلاح اليوم ليست عودة إلى الدولة، بل انقلاب على هذا الإنجاز ومحاولة لقطع الطريق الذي يبدأ من ميس الجبل.

الميدان يصنع الدبلوماسية: حين يعيد السلاح تشكيل التوقيت

أثبت الميدان أن الجغرافيا السياسية ترسم بالدم قبل الحبر. فعندما رفضت إسرائيل بغطرسة توسلات الحكومة اللبنانية للتفاوض، متذرعة بأن "الوقت لم يحن بعد"، جاء الرد من مواقع المقاومة نارياً أعاد تشكيل التوقيت السياسي. في ميس الجبل، فشل "جيش النخبة" الإسرائيلي في الاحتفاظ ببقعة صغيرة، وانسحب تحت الضربات تاركاً خسائره، ليثبت أن التفوق التكنولوجي لا يصمد أمام إرادة العقيدة. 

وفي عملية نوعية جنوب حيفا، استخدم حزب الله تكتيكاً مركباً أشغل الدفاعات بعشرات الصواريخ، ثم اخترقها بأسراب مسيرات أوقعت خسائر فادحة. كانت الرسالة واضحة: المسافة بين ميس الجبل وحيفا هي ذاتها المسافة إلى واشنطن. فالميدان الذي يصمد هو الذي يصنع الخبر في العاصمة الأمريكية، ويفرض على نتنياهو وترامب البحث عن مخارج تفاوضية.

وهكذا، من تحت ركام القرى الجنوبية ومن بين صواريخ لم تنضب، تولدت الحقيقة الأهم: لولا فشل آلة الحرب في كسر إرادة ميس الجبل، لما جلس المفاوض اللبناني على كراسي واشنطن المريحة. إن سلاح المقاومة الذي يحاولون نزعه تحت يافطة "محاربة الإرهاب"، هو بالضبط ما صنع كرسي لبنان على طاولة الكبار.


طاولة واشنطن: فخ إعادة هندسة لبنان

لكن المكسب التفاوضي لم يكن نهاية المعركة، بل انتقالها إلى طور أخطر. فإسرائيل، التي أُجبرت على الجلوس، لم تفعل لتعترف بحقوق لبنان، بل لتحاول انتزاع ما فشلت في انتزاعه بالحرب: سلاح حزب الله. إنه الإعداد الجيوسياسي لإلحاق لبنان بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية" وإدماجه في مشروع الشرق الأوسط الجديد. وبما أن سلاح المقاومة هو الذي يمتلك "الفيتو" على أي تطبيع، فإن نزعه يصبح شرطاً مسبقاً. لبنان المسلح القادر على إلحاق الألم لا يمكن جره إلى تطبيع مجاني، أما لبنان المنزوع السلاح فسيكون لقمة سائغة تُملى عليه الشروط.

لهذا تتحول طاولة واشنطن إلى فخ لإعادة هندسة لبنان. فالمجتمع الدولي، الذي لم يحرك ساكناً لحماية ميس الجبل، ينشط فجأة للمطالبة بنزع سلاح المقاومة تحت شعار "حصر السلاح" و"بسط السيادة". المفارقة أن سيادة لبنان لم تكن تعنيهم يوم كانت الطائرات الإسرائيلية تنتهك الأجواء يومياً، لكنها تصبح "أولوية" حين يتعلق الأمر بنزع سلاح الردع. إنها محاولة لتحويل الهزيمة العسكرية إلى مكسب سياسي، وإصرار على انتزاع سلاح الرفض تمهيداً لإمرار التطبيع دون قيد. لولا هذا السلاح، لكان لبنان قد أُلحق بالاتفاقيات منذ زمن، كدولة فقدت القدرة على قول "لا".

جغرافية السلاح: لماذا كل هذه الضجة؟

إذا كان هذا السلاح "إرهابياً" كما يوصف، فلماذا أصبح الشغل الشاغل لواشنطن التي حددت مهلاً وخططاً لنزعه؟ الجواب لأن هذا السلاح وحده كسر معادلة "الجيش الذي لا يقهر"، وجعل من قرية حدودية نداً استراتيجياً. إنهم لا يطالبون بنزع سلاح الجيش اللبناني، بل سلاح "المقاومة" تحديداً، لعلمهم أن الجيش لا يملك القدرة على الردع، والدليل العجز عن منع الخروق اليومية. 

أما سلاح المقاومة فقد أثبت قدرته على ذلك. المطالبة بنزعه اعتراف ضمني بقيمته، ومحاولة لإعادة لبنان إلى حالة "صفر ضغط" كما وصفها مسؤول أمني، حيث لا أوراق بيده ولا كراسي تنتظره.

إن شيطنة هذا السلاح وتجريمه عبر قوائم "الإرهاب" هي الوجه القانوني للحرب العسكرية، تهدف إلى تجريد المقاومة من الغطاء الشرعي تمهيداً لنزعه. وبمجرد نزعه، يصبح الطريق من تل أبيب إلى ميس الجبل سالكاً، ويُغلق الطريق إلى واشنطن إلى الأبد.

خارطة الطوائف اللبنانية 

في الداخل، يمكن قراءة المواقف من خلال المعادلة المكانية ذاتها: هناك من يرى في السلاح الطريق الوحيد من ميس الجبل إلى واشنطن، ومن يريد قطع هذا الطريق.

•    حراس الطريق (الموقف الشيعي): يرى حزب الله وحركة أمل في السلاح أداة مراكمة الإنجازات من التحرير إلى طاولة واشنطن. التخلي عنه هو عودة إلى زمن الحدود المستباحة، وتصفية للمسار الوطني برمته، لذلك يعتبران نزعه "خطيئة كبرى".

•    المترددون (الموقف السنّي): يتأرجح الموقف بين إدراك أن هذا السلاح صنع المعادلة، والضغوط لإنهاء ازدواجية السلاح. جزء من الشارع يدرك أن الانقلاب عليه دون بديل هو دعوة لتحويل لبنان إلى غزة أخرى.

•    قاطعو الطريق باسم الدولة (الموقف المسيحي): تقود القوات اللبنانية وحزب الكتائب الدعوة لنزع السلاح بوصفه "دويلة". لكنهم لا يقدمون تصوراً لوصول لبنان إلى واشنطن بدونه، مطالبين بسيادة شكلية متجاهلين أن السيادة الحقيقية صُنعت في ميس الجبل.

•    العقلاني الواقعي (الموقف الدرزي): يرفض وليد جنبلاط الانقلاب بالقوة، لأنه "مستحيل عسكرياً ولبنانياً"، مدركاً أن محاولة قطع الطريق ستؤدي إلى حرب أهلية، ومعترفاً ضمناً بأن الطريق موجود وإغلاقه مكلف.

مفاوضات واشنطن وطهران ووحدة الساحات

إذا كانت معادلة ميس الجبل قد أثبتت أن النار تصنع الكرسي، فإن الامتحان الأكبر لهذه المعادلة يُختبر اليوم في أروقة مفاوضات واشنطن مع طهران. فإيران التي تخوض أشرس معركة دبلوماسية مع الإدارة الأمريكية، أدركت أن أوراقها الإقليمية ليست مجرد "أذرع" قابلة للفصل عن الجسد التفاوضي، بل هي صمام الأمان الذي يمنحها القدرة على إلزام واشنطن بشروطها. وهنا تحديداً يتجلى السؤال الجوهري: هل تستطيع هذه المفاوضات أن تأتي بخير للجبهات المشتعلة إسرائيلياً، فتتوقف ولو لفترة، جراء إصرار إيراني على وقف كامل للاعتداء على الحلفاء؟

الإجابة تكمن في طبيعة الربط العضوي الذي بنته طهران بين الملف النووي وجبهات الإسناد. فمنذ اللحظة الأولى، سجلت إيران موقفاً ثابتاً عبّر عنه كبار مسؤوليها: لا اتفاق نووياً شاملاً دون وقف العدوان على غزة ولبنان، ولا عودة إلى التزامات 2015 ما لم تُرفع التهديدات عن حلفائها. هذا الإعلان ليس مناورة تكتيكية، بل تموضع استراتيجي فُرض على طاولة المفاوضات بفعل صمود الجبهات ذاتها. فكما أرغمت ميس الجبل إسرائيل على التفاوض، أرغم صمود غزة والضاحية واليمن واشنطن على القبول بمعادلة إيران الكبرى: الأمن الإقليمي كلٌ لا يتجزأ.

لقد أثبتت طهران هذا الموقف عملياً عبر مستويين: الأول، الاستمرار بتزويد الحلفاء بأدوات الردع المتطورة رغم الضربات الإسرائيلية والأمريكية، لتؤكد أن يدها الممدودة للتفاوض لا تعني قطع الشرايين عن الجبهات. والثاني، تسريب بنود التفاوض غير المباشر التي تشترط وقفاً شاملاً لإطلاق النار على كامل جبهات الإسناد كمدخل لأي تهدئة نووية، وهو ما أكدته تسريبات عُمان وجنيف مراراً.

أما هل تنصاع إسرائيل للضغط الأمريكي؟ فإسرائيل التي اعتادت فرض توقيتها، تجد نفسها اليوم بين فكّي كماشة: فشل عسكري في تحقيق الأهداف المعلنة في لبنان وغزة، وضغط أمريكي غير مسبوق لإنهاء الحرب كشرط لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية لا تحتمل جبهات مفتوحة بلا أفق. ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض يريد "صفقات القرن" بأي ثمن، ويعرف أن استمرار الاستنزاف الإسرائيلي يهدد مشروعه التطبيعي برمته. لذا، ثمة مؤشرات جدية على أن واشنطن ستستخدم ثقلها لإلزام نتنياهو بوقف إطلاق النار، ليس حباً بلبنان أو غزة، بل لإنجاح مسار التسوية مع إيران الذي يضمن مصالحها الحيوية.

لكن واشنطن لن تمنح هذا الوقف مجاناً؛ تماماً كما حاولت في لبنان، ستسعى لمقايضة الهدنة بنزع أسلحة الردع تدريجياً تحت مسمى "ترتيبات أمنية جديدة". وهذا تحديداً ما يجعل الموقف الإيراني المعلن – وقف العدوان بشكل كامل على الحلفاء – شرطاً لا يمكن القفز فوقه. فإن قبلت طهران بوقف جزئي أو هدن منقوصة، ستكون قد فرّطت في الورقة الأهم التي جلبتها إلى الطاولة. أما إن تمسكت بهذا الشرط وألزمت واشنطن بإيقاف آلة الحرب الإسرائيلية، فإن الطريق من ميس الجبل إلى واشنطن سيكون قد اكتمل فصله الإقليمي، وتتحول الجبهات من "أوراق ضغط" إلى "شركاء في صنع التسوية".

مراكمة الإنجاز: الطريق لم يكتمل بعد

الطريق من ميس الجبل إلى واشنطن لم يفتحه مفاوض ماهر، بل فتحته بندقية المقاوم ودم الشهيد. إنه طريق تراكمت محطاته: تحرير الشريط الحدودي، تفكيك جيش لحد، بناء معادلة الردع، وإرغام المحتل على الجلوس للتفاوض بعد رفضه. لكن هذا الجلوس لم يكن استسلاماً، بل محاولة لانتزاع سلاح الرفض تمهيداً للتطبيع. كل محاولة لنزع السلاح هي محاولة لإخراج القطار عن سكته، والانقلاب على المسار التاريخي، وإعادة لبنان إلى محطة الصفر: بلا تحرير، بلا ردع، بلا قدرة على قول "لا".

التاريخ لا يعود إلى الوراء، ودماء الشهداء لا تمحى بقرار، والحاضنة الشعبية التي دفعت أثماناً مريعة لن تسمح بتبديد الإنجاز. مشروع الدولة الحقيقي يجب أن يُبنى على مراكمة هذا الإنجاز لا على أنقاضه. المعركة اليوم هي معركة وعي: هل يختار لبنان طريق المراكمة الذي يبدأ من قراه الحدودية ويصل إلى عواصم القرار، رافضاً تسليم سلاحه الذي هو ضمانة رفضه للإملاءات، أم يسقط في فخ الانقلاب ليصحو على واقع لا كرامة فيه، حيث لا كرسي له في واشنطن، وحيث يُلحق بالتطبيع كما تلحق التوابع، دون قيد أو شرط؟

المصادر:

1.    الميادين، 20 تشرين الأول 2024، "حزب الله يعلن إيقاع قوة إسرائيلية بين قتيل وجريح في كمين بميس الجبل".
2.    الجزيرة، 13 تشرين الأول 2024، "مقتل 4 جنود إسرائيليين بمسيّرة لحزب الله جنوب حيفا وتكتيك الصواريخ التمويهي".
3.    رويترز، 25 أيار 2000، "انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وانهيار جيش لبنان الجنوبي".
4.    رويترز، أيلول 2024، "إسرائيل ترفض دعوات وقف إطلاق النار مع تصعيد هجماتها على حزب الله".
5.    بيان الموفد الرئاسي الأمريكي آموس هوكشتاين، تشرين الثاني 2024، حول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.
6.    الشرق الأوسط، شباط 2025، "الموفدة الأمريكية مورغان أورتاغوس: حزب الله يجب أن يُنزع سلاحه ولن نسمح بعرقلة الاتفاق".
7.    وكالة الأناضول، كانون الثاني 2025، "جنبلاط: نزع سلاح حزب الله بالقوة مستحيل وقد يجر لبنان إلى حرب أهلية".
8.    وكالة إرنا الإيرانية، نيسان 2025، "طهران تشترط وقف العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان لإنجاح المفاوضات النووية".
9.    أكسيوس، آذار 2025، "الضغط الأمريكي على نتنياهو لإنهاء حرب لبنان تمهيداً للاتفاق مع إيران".

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

خالد سعيد نزال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

من ميس الجبل إلى واشنطن: كيف يصنع الميدان المسار الدبلوماسي؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°