22 يونيو 2026|القاهرة 28 °

محمد مصطفى شاهين يكتب: أين العالم  الإسلامي من نصرة غزة؟

غزة اليوم ليست مدينة تحترق فحسب بل مرآة كبيرة تكشف أحوال الأمة كلها. تكشف من بقي فيه نبض ومن استسلم للجمود ومن ما زال يؤمن أن للأمة جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى سنوات وغزة تتعرض لأقسى حرب عرفها هذا العصر مدن سويت بالأرض عائلات محيت من السجل المدني أطفال ولدوا تحت القصف وماتوا تحت القصف جوع وحصار وتشريد وخراب لا يكاد يجد له الإنسان مثيلا في التاريخ الحديث.

بقلم: محمد مصطفى شاهين
منذ 3 ساعة
5 دقائق قراءة
6 مشاهدة
محمد مصطفى شاهين يكتب: أين العالم  الإسلامي من نصرة غزة؟

محمد مصطفى شاهين يكتب: أين العالم  الإسلامي من نصرة غزة؟

غزة اليوم ليست مدينة تحترق فحسب بل مرآة كبيرة تكشف أحوال الأمة كلها. تكشف من بقي فيه نبض ومن استسلم للجمود ومن ما زال يؤمن أن للأمة جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى سنوات وغزة تتعرض لأقسى حرب عرفها هذا العصر مدن سويت بالأرض عائلات محيت من السجل المدني أطفال ولدوا تحت القصف وماتوا تحت القصف جوع وحصار وتشريد وخراب لا يكاد يجد له الإنسان مثيلا في التاريخ الحديث. 

ومع ذلك فإن السؤال الذي يلاحق الضمير الإسلامي ليس ماذا فعلت إسرائيل بغزة فهذا أمر معروف ومتوقع من عدو يعلن أهدافه دون مواربة السؤال الحقيقي هو أين المسلمون من غزة
ليس المقصود هنا الشعوب التي ضاقت بها السبل ولا الأفراد الذين قدموا ما استطاعوا من دعاء وتبرع وموقف المقصود تلك العواصم الكبيرة التي تملك المال والسلاح والإعلام والنفوذ السياسي ثم اختارت أن تراقب المشهد من خلف الزجاج ،غزة لم تكن تطلب المستحيل لم تطلب أن تفتح الجيوش أبواب الحرب ولم تطلب أن تهتز خرائط المنطقة ، كانت تطلب الحد الأدنى من معاني الأخوة كانت تطلب موقفا سياسيا ضاغطا كانت تطلب حصارا دبلوماسيا على المعتدي كانت تطلب أن يشعر أهلها أنهم ليسوا وحدهم في هذا الليل الطويل.

لكن المؤلم أن غزة وجدت نفسها في كثير من الأحيان أكثر حضورا في شوارع العالم الغربي منها في بعض العواصم الإسلامية رأينا مئات الآلاف يخرجون في شوارع لندن وباريس ومدريد ونيويورك وشيكاغو رأينا طلاب الجامعات وأساتذة الفكر ونشطاء حقوق الإنسان يرفعون صوتهم دفاعا عن غزة بعضهم لا يدين بالإسلام أصلا لكنه رفض أن يصمت أمام المأساة بينما بدت بعض العواصم الإسلامية وكأنها تخشى حتى من كلمة تضامن زائدة.
وهنا يكمن الوجع
العتب ليس على من حاول وفشل العتب ليس على من قدم ما استطاع ثم عجز عن المزيد العتب على من يملك القدرة ثم اختار الحياد البارد وعلى من اكتفى ببيانات العلاقات العامة بينما كانت غزة تدفع ثمن المواجهة وحدها
ومع ذلك فإن الإنصاف واجب فليس كل الناس سواء وليس كل المواقف متشابهة.
العتب مرفوع عن اليمن الذي دفع أثمانا باهظة بسبب موقفه المشرف سواء اتفق الناس أو اختلفوا مع الوسائل فإن أحدا لا يستطيع إنكار أن اليمنيين قرروا أن يكون لهم موقف وأن يتحملوا تبعاته.
والعتب مرفوع عن لبنان الذي قدم من الدم والتضحيات ما يعرفه الجميع ودفع أثمانا ثقيلة نتيجة انخراطه في معركة الإسناد.
والعتب مرفوع عن إيران التي دخلت على خط المواجهة وقدمت دعما وإسنادا جعلها هدفا مباشرا للضغوط والتهديدات والمواجهات.

كما أن الشكر واجب لكل فرد أو جماعة أو مؤسسة أو دولة قدمت ما استطاعت لنصرة غزة الشكر لكل من تبرع ولكل من كتب ولكل من تحدث ولكل من نظم فعالية أو حملة أو مظاهرة ولكل من حمل القضية في الإعلام والمحافل الدولية. فغزة لم تكن تحتاج فقط إلى الخبز والدواء بل كانت تحتاج أيضا إلى من يكسر عنها العزلة ويؤكد أنها ليست قضية منسية.
لكن يبقى السؤال قائما

كيف وصلت أمة يزيد عدد أبنائها على ملياري إنسان إلى هذه الحالة من العجز السياسي كيف أصبحت غزة الصغيرة تقف وحدها في مواجهة واحدة من أعنف الحروب بينما تبدو إمكانات الأمة الهائلة وكأنها خارج الخدمة كيف أصبح التضامن العالمي مع غزة أكثر وضوحا من التضامن الإسلامي الرسمي معها.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة معركة أو تراجع موقف الخطر أن يتحول الاعتياد على المأساة إلى ثقافة وأن يصبح مشهد الأطفال تحت الأنقاض خبرا عاديا وأن تتعايش الأمة مع فكرة أن مدينة كاملة يمكن أن تذبح على الهواء مباشرة دون أن يتغير شيء.
غزة اليوم لا تحاكم أحدا لكنها تطرح الأسئلة الثقيلة التي سيظل التاريخ يكررها من وقف معهاومن خذلها ومن تكلم ومن صمت ومن خاطر من أجلهاومن فضل السلامة على الواجب.

وحين تضع الحرب أوزارها يوما ما سيبقى في ذاكرة الناس أن غزة لم تسقط لأنها ضعيفة.د بل لأنها كانت تقاتل وحدها أكثر مما ينبغي وسيبقى في الذاكرة أيضا أن أحرارا من أنحاء العالم وقفوا معها رغم اختلاف الدين واللغة والعرق وسيبقى السؤال معلقا فوق رؤوس المسلمين جميعا.

أين كنا عندما كانت غزة تنادي
ذلك السؤال الذي قد لا يجد جوابا مقنعا اليوم لكنه سيظل يطارد الضمير الإسلامي طويلا وربما يكون أثقل ما خلفته هذه الحرب ليس الدمار ولا الشهداء ولا الخراب بل ذلك الشعور المر بأن غزة كانت أكبر من أن تترك وحدها وأن أمة كاملة ما زالت مطالبة بأن تراجع نفسها قبل أن يكتب التاريخ كلمته الأخيرة.

محمد مصطفى شاهين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

محمد مصطفى شاهين يكتب: أين العالم  الإسلامي من نصرة غزة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°