17 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مقدّسات الماضي والتسلّق فوق الجديد

على الدوام، كانت أكبر عثرات الناس هي عقائدهم، وهي ذاتها أداة ما انتهوا إليه؛ بعد أن ساروا قانعين، غير متشككين، بأي تفصيل من تفاصيل خطة السير هذه.

بقلم: د . راشد الشاشاني
٢ يوليو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
الجماعات اعتادت صناعة قوانينها من داخل معتقداتها

الجماعات اعتادت صناعة قوانينها من داخل معتقداتها

دور الشباب، ودور المرأة، والإصلاح، ومحاربة الفساد... إلخ، هذه أدوات اليوم لاعتلاء مواقع السيطرة، وغالبًا ما تكون عدّة من هم خارج هذه الفئات، حتى عندما يكونون من ضمنها؛ فإنهم ليسوا سوى أدوات بيد أولئك.

على الدوام، كانت أكبر عثرات الناس هي عقائدهم، وهي ذاتها أداة ما انتهوا إليه؛ بعد أن ساروا قانعين، غير متشككين، بأي تفصيل من تفاصيل خطة السير هذه. ليس أمرًا جللًا هذا، طالما بقي ضمن حدود تجارب تمنح صانعها قوة المسير، التي تلزمها مهارة تغيير هذا المسير كلما بانت وعورة الطريق.

غير أن الجماعات اعتادت صناعة قوانينها من داخل معتقداتها. يبدو هذا النهج عاديًا وطبيعيًا، لكن المشكلة تقف خلف ذلك. علينا أن نعمّق النظر كي نرى مجموعة المصالح التي ألّفت رأي مجموعة للسير باتجاه ما في مسألة ما. باختصار، إنها: المصالح. تلك المصالح التي اعتلت فكرة بدأت بفرد، ثم تلاقت حولها مصالح أخرى مشاركة، شكّلت في مجموعها عقيدة، أو مبدأ، أو مذهبًا... إلخ. وبُنيت فوق مجموع المصالح الأول مجموعة تالية، ربما تكون أكثر من ثانية، هي: القوانين، والقواعد، والاتفاق أو التفاهم... إلخ.

إذًا، مُركّب المصالح هذا سار في اتجاه «يخدم» فكرته الأولى، وفقًا لظن المجموع؛ لكنه ابتعد كثيرًا عن أساس نشأة الفكرة الحرة ـ إذا ما اقتصرنا حديثنا على الفكرة البريئة، متجاهلين الخبيث منها ـ. هذه المسافة بين المنشأ والمآل ولّدت، بحكم الطبيعة، نقاط ارتكاز استندت إليها مسيرة التنقل بين الأزمان والأماكن؛ بحيث بات من الصعب أحيانًا، ومن المستحيل أحيانًا أخرى، محاولة الاقتراب من واحدة أو أكثر من نقاط الارتكاز هذه، بفعل اتساع الرقعة، أو ابتعاد الزمن، أو حتى تعدد النقاط، وإن اتحدت في البقاع والزمن.

بات، مع ذلك، السير باتجاه مصلحة ما ـ وهذا يشمل شؤون الحياة اليومية وما زاد عنها ـ رهنًا بالسير فوق هذه النقاط؛ بمعنى: الاتفاق معها. وهذا يقضي، بحكم اللزوم، أن مخالفة، ولو بسيطة، أو حتى محاولة لفهم جدوى، أو صدق، أو فاعلية، أو حيثيات، أو إلزامية... إلخ، هذه «الأوابد»، تعني بالضرورة خروجًا عن الجماعة، أو ما اعتادته، وهو بهذا يعني أيضًا صدامًا معها.

بالعودة إلى طبيعة تشكيل نقاط الارتكاز هذه، التي اعتمدت نموذج التمجيد من جهة، والذم من جهة ثانية، لم يكن الأمر مقتصرًا على صناعة نماذج شخصية إنسانية ركزت صورتها سطوة القوة، بل امتدت مساحة الارتكاز إلى الأماكن، والأحداث، والمواقيت، والظواهر الطبيعية. ربما شكّلت هذه المشاهد الأولى، عند ولادتها، مؤشرًا موجهًا لشخصها الأول، وقد يكون ذلك صحيحًا، لكنه، بكل الأحوال، شأنه الخاص الذي يدير به شؤون حياته.

حاجة المصالح إلى قدرة خاصة من هذا النوع، تسمح لها بالتفوق على كل منافس، أجبرتها على الاستثمار في مشهد «الشخص الأول». هكذا سارت المصالح حين اجتمعت في مواجهة المجموع، أو الشخص «التضليل»، وهكذا سارت المصالح داخل مجموعاتها ذاتها، «الانقلاب». نذكّر هنا بأننا استبعدنا «الشخص الأول» باعتباره بريئًا، وقد لا يكون كذلك.

في كلتا صورتي تمرير المصالح، «التضليل» و«الانقلاب»، كان درع الحماية ضد هجوم المصالح المضادة من جهة، وهجوم الخاضعين لسطوة هذه المصالح من جهة أخرى، هو: الماضي.

الماضي، الذي بات فكرة مسلّمًا بها، لا لشيء سوى أنها «ماتت»، بمعنى أنها ليست ماثلة أمام حواسنا، فلا يمكننا فحصها، وفحص حقيقة ما عرفناها به، وحقيقة نواياها، بل وما إذا كان خاصًا بها أم بغيرها، وما زاد فيها وعنها. وفوق كل ذلك، وعلى فرض صدق كل ما سبق، فما شأننا بها؟! ولماذا علينا اتباع تعاليمها؟!

مع هذا المفهوم، ينبغي أن يتوسع نطاق فكرة الموت إلى كل ما لا يمكننا إدراكه، لكن هذا الإدراك ليس خاصًا بالحواس فقط، وليس واحدًا بين جميع الناس كذلك، مع رفضنا لربط فكرة الحياة والموت بمجموعة آلية ملموسة لا مجال لشرحها. إن انعدام قدرة الفحص هذه، والخوف من السؤال عنها، باعتبار العقاب ـ بغض النظر عن ماهيته ـ الذي سيحل بالسائل، وخوف الإنسان من الانعزال وحيدًا عندما يجري تجربة كهذه، وما يتبع هذه العناصر، صنعت «القداسة» في رباط بين هذه الأخيرة، وخوف التجديد والتغيير، والميل نحو المضمون والآمن، وفقًا لفهم خاطئ ومعكوس لمقدار التكاليف.

إذًا، مفهوم القداسة، وما يحويه من «عدم القدرة على الفحص» و«مفهوم الموت»، أودى بالمجموع إلى حاجة تحديد إطار هذه القداسة. هنا ظهرت الحاجة إلى الرموز التي تشكل مرجعًا يرسم حدودها. هذه الرموز تداولت أدوار «الكفر، أو الخروج عن المجموعة» في زمانها، إلى دور «البطولة» وامتلاك الحق، بما يعنيه امتلاك الحق من سلطة التوجيه والقيادة عند هؤلاء. وفي دهاليز هذه الاحتيالات نشأت فكرة «الميت المقدس».

بالعودة إلى فكرتي «التضليل» و«الانقلاب»، اتخذت فكرة قداسة «الميت» طابعًا مرنًا، بحكم خدمتها للمصالح. بقي الميت ثابتًا، وتغيرت معه سلطة صيانة موته هذا. وهذه السلطة الأخيرة كانت، على الدوام، بحاجة إلى حشد التأييد الحاضر؛ بمعنى أن حاجة التضليل للبقاء، وحاجة الانقلاب للنجاح، فرضتا لنفسيهما أن تؤسسا فوق ثبات «المخدوعين»، خشية تحرك ما يفضي إلى كشف التضليل وسقوط الانقلاب. فكان أحد النواتج ما يعرف بـ«الوعي الجمعي». نترك تفصيله إلى موضع آخر، ونكتفي بالصورة التي يصنعها ويستغلها «الانقلابيون» في تثبيت وضعهم عند شعورهم بتهديد مصالحهم من قبل مجموعتهم ذاتها، في شكل «الفساد والفاسدين»، والصورة المقابلة حين تتهدد مصالح المجموعة أمام الخاضعين «المضللين»، في صورة الشرعية واللاشرعية.

قبل أن ننهي، نعود بإطلالة على فكرة سيطرة القوة التي تحدثنا عنها، لنؤكد أن مصدر هذه القوة ليس دائمًا غلبة المعارك، بل قد تزيد عنها قوة الكذب. غير أننا لا نقر للكذب بقوة ما، لكننا نريد إدارة الانتباه إلى ضخامة أثر ضعف من يصدق. هذا الضعف الذي يترجمه الضعفاء، قبل الكاذبين والمخادعين، على أنه قوة لدى آسريهم. لذا، عليكم أن تصنعوا قوتكم بأنفسكم. ومبدأ صناعتها هو كشف زيفها أمام أنفسكم أولًا، ما يعني جرأتكم على مناقشة كل شيء مهما علا شأنه. تذكروا أننا نقول: من يكذب خبيث، والخبيث لا يكون ذكيًا، بل هو غبي على الدوام؛ فإن كان ماهرًا في الكذب، فلا تكن أنت أمهر منه في التصديق.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د . راشد الشاشاني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير