“من 7 أكتوبر حيث انطلقت شرارة الطوفان، إلى 6 أكتوبر حيث تتجدد ذاكرة النصر، تتكامل الحكاية بين مقاومة تحت الحصار وإرادة لا تعرف الهزيمة"
حين يلتقي نصر العبور بنبض الصمود، تتجدد ذاكرة الأمة رغم نزيف الدماء، ورائحة الركام، وصرخات الأطفال التي تملأ سماء غزة، يخرج من تحت الأنقاض صوت آخر، لا يُسمع إلا لمن يقرأ التاريخ بعيون الوعي لا الخضوع. صوت يقول إن الانتصار ليس دائمًا في توازن السلاح، بل في توازن الإرادة، وإن الشعوب التي تقاوم لا تموت، بل تتجدد وتُعيد صياغة معادلة الردع والسيادة من تحت الدمار.
فبعد عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة (2023–2025)، وبأكثر من 45 ألف شهيد وجريح، ودمار طال 70% من البنية التحتية المدنية، تحولت المدينة إلى عنوان لأشد فصول المأساة قسوة، لكنها أيضًا باتت رمزًا لاستعصاء الهزيمة أمام آلة الحرب الأكثر تطورًا في الشرق الأوسط.
نصر الإرادة لا نصر الميدان
يُقاس النصر ليس فقط بالقدرة على السيطرة، بل بمدى تغيير موازين الإدراك. فإسرائيل، التي أرادت “إنهاء حماس”، وجدت نفسها أمام حركة تفاوض من موقع القوة، لا من موقع الانكسار، بفضل قدرة المقاومة على الصمود في بيئة إبادة ممنهجة.
لقد خسرت إسرائيل أكثر من 1300 جندي وضابط خلال العمليات البرية في شمال ووسط القطاع، وتراجعت ثقة المجتمع الإسرائيلي بقيادته بنسبة 65% وفق استطلاعات مركز “متفيم” (2025)، بينما ارتفعت مكانة حماس في الشارع العربي بنسبة 40% مقارنة بما قبل الحرب.
هذه الأرقام تُظهر أن الحرب التي أرادت كسر المقاومة، أعادت إنتاجها كفاعل شرعي في معادلة الردع.
السياسة حين تفشل في قتل الذاكرة
اختارت واشنطن أن تُعيد طرح “خطة ترامب المعدلة” ضمن ما يُعرف بـ”صفقة غزة الكبرى”، محاولةً تحويل الأنقاض إلى منصة لإعادة هندسة الوعي الفلسطيني. لكن اختيار القاهرة لتاريخ 6 أكتوبر موعداً لانطلاق المباحثات، أضفى على المشهد رمزية عسكرية ووطنية، تذكّر بأن من صاغ معادلة الحرب والسلام في 1973 لا يزال قادراً على إعادة تعريف شروط التفاوض.
بهذا المعنى، تحوّل التوقيت إلى رسالة مضادة للهيمنة الأمريكية، مفادها أن مصر ليست وسيطًا محايداً ، بل شريكا تاريخياً يملك ذاكرة انتصار، لا مجرد أداة لتنفيذ الإملاءات.
حين يصبح الدمار أداة سردية
رغم أن خسائر غزة تجاوزت 12 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي (سبتمبر 2025)، فإن الحرب صنعت تحولا جذرياً في السردية العالمية حول الاحتلال. فقد تبنت أكثر من 90 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار يدعو إلى وقف الدعم العسكري لإسرائيل، بينما صوّتت دول أوروبية كإسبانيا وإيرلندا وبلجيكا لصالح الاعتراف الفوري بدولة فلسطين.
هذا التحول في الإدراك الدولي هو جوهر النصر المعنوي، لأنه يُعيد تعريف العدالة، لا من منظور القوة، بل من منظور الشرعية الإنسانية.
الأثمان الباهظة لا تلغي المكاسب الرمزية
نعم، دفع الفلسطينيون ثمنا فادحا ؛ أكثر من 17 ألف طفل وامرأة سقطوا بين شهيد وجريح. لكن التاريخ لا يُقاس بعدد الجثث، بل بعدد المواقف التي تصنع تحولاً في وعي العالم. وما بعد حرب 2025 لن يشبه ما قبلها: فالمجتمع الدولي لم يعد يرى المقاومة كـ”تهديد”، بل كـ”حركة تحرر وطني”، وهو تحوّل استراتيجي يتجاوز نتائج الميدان إلى إعادة تشكيل الوعي العالمي تجاه الصراع.
أخيراً وليس آخراً
من تحت الركام، تعود غزة لتكتب فصلا جديداً من ملحمة الوعي العربي المقاوم. فبينما تتهاوى الأبراج، ينهض الإنسان الفلسطيني كمعنى يتحدى الموت، وكقضية تتجاوز الجغرافيا. وربما يكون الدمار هو الثمن الذي يدفعه الفلسطيني كي يُعيد تعريف مفهوم "النصر في زمن الهزائم الرمزية".
لنجد أنفسنا أمام تساؤلات عدة من بينها
"هل يدرك صناع القرار في واشنطن وتل أبيب أن النصر الحقيقي لا يُصنع في ميدان القتال، بل في وجدان الشعوب التي ترفض أن تُهزم حتى وهي تحت الأنقاض؟"










