محمدخميس
أثار الكاتب والإعلامي الأردني حلمي الأسمر جدلًا واسعًا بعد انتقاده الحاد لما وصفه بـ"التحول الأخطر في الخطاب السياسي العربي"، عقب توقيع وثيقة قمة شرم الشيخ للسلام، معتبرًا أنها لا تعبّر عن انتصار للسلام بقدر ما تُكرّس "مرحلة جديدة من التطبيع المغلّف بلغة أخلاقية وإنسانية منمقة".
وفي منشور مطوّل نشره عبر صفحته على فيسبوك اليوم الأربعاء، قال الأسمر إن الوثيقة تمثل "بيانًا سياسيًا مصاغًا بعناية لتجميل واقع مرير"، مضيفًا أنها جاءت لتغسل الذاكرة العربية من مشاهد الإبادة في غزة التي لم تجف دماؤها بعد، مستخدمةً عبارات مثل التسامح والكرامة والازدهار لتغطية ما وصفه بـ"الجرائم المنظمة والتهجير القسري".
تهميش المفردات الجوهرية في القضية الفلسطينية
وانتقد الأسمر تغييب المفردات المركزية عن نص الوثيقة، مثل "الاحتلال" و"العدوان" و"الجرائم"، معتبرًا أن هذا التجاهل المتعمّد يهدف إلى "تجريد المأساة الفلسطينية من بعدها الإنساني والحقوقي"، وتقديمها كخلاف سياسي أو نزاع بين طرفين متكافئين.
وأوضح أن الوثيقة تعيد صياغة الرواية السياسية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من خلال تحويل العدوان إلى “نزاع دبلوماسي” والمقاومة إلى “تطرف”، في إطار ما سماه “لغة تبييض المأساة” التي تستخدمها القوى الكبرى لتسويق الحلول المفروضة.
وأضاف أن الوثيقة تصف ما جرى في غزة خلال العامين الماضيين بأنه "خسائر جسيمة"، في محاولة لتخفيف وقع الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين، مشيرًا إلى أن "المأساة تحولت إلى مادة بروتوكولية في بيان سياسي خالٍ من العدالة".
غزة الجديدة: كيان اقتصادي منزوع السلاح
وتناول الأسمر فقرة من الوثيقة تقول: “نرحب بالتقدم الذي تم إحرازه للوصول إلى ترتيبات سلام شاملة ودائمة في قطاع غزة”، معتبرًا أنها تعبّر عن الاعتراف بمرحلة ما بعد المقاومة، وتحويل غزة إلى منطقة اقتصادية منزوعة السلاح، تُدار برأس مال خليجي وبإشراف أميركي، في إطار مشروع "غزة الجديدة".
وأوضح أن هذا التصور يندرج ضمن استكمال “صفقة القرن” التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقًا، والتي أعاد إحياءها من خلال اتفاق وقف الحرب، مشيرًا إلى أن الوثيقة تستخدم لغة “السلام الدائم” و”التعايش بين الأديان”، لكنها تتجاهل الحقوق الوطنية الأساسية كـ إنهاء الاحتلال، وحق العودة، والسيادة الفلسطينية الكاملة.
من كامب ديفيد إلى شرم الشيخ.. سلسلة واحدة بأسماء مختلفة
وفي قراءة تحليلية لمسار التطبيع السياسي، قال الأسمر إن وثيقة شرم الشيخ ليست حدثًا منفصلًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ منذ اتفاقية كامب ديفيد (1978)، مرورًا بـ اتفاق أوسلو (1993)، ثم اتفاقيات أبراهام (2020)، وصولًا إلى ما وصفه بـ “أبراهام الثانية” أو “سلام ما بعد غزة”.
وبيّن أن القاسم المشترك بين هذه المحطات هو مبدأ “السلام مقابل الأمن لإسرائيل”، لا “السلام مقابل الحقوق للفلسطينيين”، مؤكدًا أن هذا النهج يسعى لترسيخ إسرائيل كعنصر طبيعي في الإقليم العربي، مع تحويل غزة والضفة إلى مناطق اقتصادية خاضعة للرقابة الأمنية الإسرائيلية – الأمريكية.
وأشار إلى أن قمة شرم الشيخ جاءت لتكرّس هذا التحول عبر دمج إسرائيل ضمن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، حيث تُدار غزة من خلال "إدارة مدنية واقتصادية مشتركة" برعاية دولية، بعيدًا عن الهوية الوطنية الفلسطينية.
القمة بين الخطاب الأخلاقي والمضمون السياسي
وحول اللغة المستخدمة في الوثيقة، أوضح الأسمر أنها تجمع بين الخطاب الأخلاقي والواقع السياسي المنحاز، فهي تدعو إلى التسامح والتعايش في الوقت الذي تتجاهل فيه جذور الصراع والاحتلال.
وقال إن استخدام مصطلحات مثل "الأمل المشترك" و"الازدهار الإقليمي" و"السلام الدائم" ليس سوى محاولة لتزيين المشهد بعد حرب الإبادة، وخلق صورة وهمية عن مرحلة جديدة بينما الحقيقة أن غزة تعيش على ركام مدنها المنكوبة.
الشعوب لا تُهزم بالقصف
وختم الكاتب الأردني منشوره برسالة رمزية قائلاً: “الشعوب لا تُهزم حين تُقصف، بل حين تتخلى عن حقها”، مؤكدًا أن الكرامة هي التي تصنع السلام الحقيقي لا الاتفاقيات، وأن غزة التي صمدت أمام أربعين ألف قنبلة لن تنكسر ببيان سياسي.
وشدد الأسمر على أن التاريخ لا يُمحى بالتواقيع، وأن دماء الشهداء هي التي تكتب المستقبل لا المؤتمرات، مضيفًا أن "محاولات تبييض الجرائم عبر البيانات لن تُلغي حقيقة أن ما جرى في غزة هو إبادة موثقة بالصوت والصورة".
وكانت قمة شرم الشيخ للسلام قد انعقدت في 13 أكتوبر الجاري، برئاسة مشتركة بين الرئيسين عبدالفتاح السيسي ودونالد ترامب، وبمشاركة قطر وتركيا وأكثر من 30 دولة ومنظمة إقليمية ودولية، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، وبدء مرحلة جديدة من الإعمار والاستقرار في المنطقة.
ونشرت الولايات المتحدة نصّ الوثيقة الختامية، التي أكدت على "الالتزام التاريخي باتفاق السلام في غزة"، ووصفت الحرب السابقة بأنها "عامان من المعاناة والخسائر"، دون الإشارة إلى الاحتلال أو الجرائم، ما أثار انتقادات واسعة من ناشطين وكتاب عرب.
وترى دوائر عربية أن الوثيقة تمثل بداية لتسوية إقليمية جديدة تعيد رسم ملامح القضية الفلسطينية، بينما يصفها معارضون بأنها غطاء سياسي لتطبيع موسّع يهدف إلى دمج إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا في المنطقة على حساب الحقوق الفلسطينية.
تُظهر تصريحات حلمي الأسمر أن وثيقة قمة شرم الشيخ لم تعد مجرد اتفاق سياسي، بل أصبحت مرآة تعكس التحولات العميقة في الموقف العربي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يُستبدل الحديث عن التحرير والعدالة بلغة الاستثمار والسلام الاقتصادي.
وبينما تحتفي بعض العواصم بالوثيقة بوصفها "انتصارًا للدبلوماسية"، يرى محللون كُثر أنها تمثل إعلانًا رسميًا عن مرحلة “غزة الجديدة”، حيث يتحول الصراع إلى ملف إداري تموّله العواصم وتديره القوى الكبرى، بعيدًا عن جوهر القضية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.









