20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: أسير إسرائيلي في غزة يقلب الموازين: حين سقطت الدعاية وظهرت الحقيقة

بقلم: د. محمد الصاوي
١٥ أكتوبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
51 مشاهدة
د. محمد الصاوي يكتب: أسير إسرائيلي في غزة يقلب الموازين: حين سقطت الدعاية وظهرت الحقيقة

في الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية تبرير عدوانها على غزة تحت لافتة "محاربة الإرهاب"، خرج تصريح غير متوقع من قلب المعادلة ليكشف جانباً آخر من الحقيقة، بعيداً عن ضجيج الدعاية الرسمية.

فقد أدلى الأسير الإسرائيلي السابق ألكسندر توربانوف، الذي أُطلِق سراحه مؤخراً بعد احتجازه لما يقارب 498 يوماً في غزة، بشهادة إنسانية نادرة، قال فيها:

«لقد حفرت لطفكم في ضميري إلى الأبد… تعلّمت منكم معنى الرجولة والبطولة النقية واحترام الإنسانية… كنتم الأحرار المحاصَرين بينما كنت أنا الأسير. اعتنيتم بي كما يعتني الأب بأطفاله، وحافظتم على صحتي وكرامتي رغم أن حكومتي كانت ترتكب أبشع الجرائم ضدكم… لم أعرف الرجولة إلا حين رأيتها في عيونكم».

هذه الكلمات البسيطة، وإن حملت طابعاً شخصياً ، إلا أنها تهدم جداراً صلباً من السرديات المعلبة التي حاولت إسرائيل والغرب تكريسها حول مقاومي غزة.
بينما يصف الإعلام الغربي المقاتلين الفلسطينيين بـ "الإرهابيين"، تأتي شهادة الأسير الإسرائيلي لتضعهم في موضع الإنسان المتمسك بالقيم حتى في أحلك الظروف.

الأهم في هذه الشهادة ليس بعدها الأخلاقي فحسب، بل ما تكشفه من خللٍ عميق في الوعي الجمعي الإسرائيلي الذي رُبّي على نزع الإنسانية عن الفلسطيني.
حين يقول أحد جنودهم: "لو عدت إلى هنا فلن أكون إلا مجاهداً في صفوفكم"، فهذا يعني أن الوعي المقاوم استطاع أن ينتصر في ميدان القيم قبل ميادين السلاح.

قد يرى البعض في هذا التصريح مجرد لحظة عاطفية من أسير سابق، لكن في علم النفس السياسي تُعدّ مثل هذه الاعترافات شهادة من قلب نظام الخصم، تعبّر عن تصدّع داخلي في الخطاب الرسمي، وعن إدراك متأخر لحقيقة أن الاحتلال مهما امتلك من القوة، فإنه يفتقر إلى الشرعية الأخلاقية.

لقد ظلت إسرائيل لعقود تسوّق نفسها كواحة ديمقراطية وسط بحرٍ من “الهمجية”، غير أن الحرب على غزة – وخصوصاً شهادات الأسرى – أعادت تعريف المعاني: من هو المتحضّر؟ ومن هو الهمجي؟ ومن الذي يصون القيم حين تسقط القوانين؟

انقلاب ثنائية "الضحية والآخر"

من خلال كلماته، ينقلب الأسير إلى شاهد، والمقاوم إلى إنسان.
تختفي صورة “الأسير المهان” لتحل محلها صورة “الأسير الممتن”، وتنهار الثنائية النمطية بين “الجلاد والضحية”.
هذه اللحظة الرمزية تُظهر أن الاحتلال فقد احتكاره للشرعية الأخلاقية، وأنّ غزة — رغم الحصار — استطاعت أن تفرض خطابها الأخلاقي على عدوها.

استدعاء القيم في مواجهة القوة

توربانوف لا يتحدث عن المعاملة الجسدية فقط، بل عن قيم الرجولة، التضحية، والرحمة — وهي قيم تنتمي لثقافة دينية وروحية عميقة.
عبارته: «هل دينكم يعلّمكم حقًا معاملة الأسرى بهذه الطريقة؟» تكشف إدراكه لتفوق منظومة القيم الإسلامية على القوانين الوضعية.
بهذا تتحول التجربة إلى مقارنة ضمنية بين قانون القوة وقوة القيم.

الدلالات السياسية والإعلامية

سياسياً ، تشكّل الشهادة ضربة رمزية للرواية الإسرائيلية والغربية التي تربط المقاومة بالإرهاب.
أما إعلامياً ، فهي فرصة لفتح نقاش عالمي حول أخلاق الحرب وازدواجية معايير الغرب في التعامل مع الفلسطينيين.
فحين يقول أسير إسرائيلي إنه عومل بكرامة، بينما تُوثَّق صور قصف المدنيين في غزة، يتفكك الخطاب المبرر للعدوان أمام الرأي العام.

وأخيرًا… تعريف معنى الكرامة

في عالم يُقاس فيه التفوق بعدد الصواريخ والطائرات، يخرج أسير إسرائيلي ليقول إن النصر الحقيقي يُقاس بمدى احتفاظ الإنسان بإنسانيته.
ولعلّ هذا ما يجعل غزة – رغم الألم والدمار – أكثر بقاع الأرض صدقًا في تعريف معنى الكرامة.

 

 

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. محمد الصاوي يكتب: أسير إسرائيلي في غزة يقلب الموازين: حين سقطت الدعاية وظهرت الحقيقة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°