نشر الكاتب الصهيوني حاييم تومر في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية: “عرفنا في الفترة الأخيرة أن رئيس الحكومة ورجاله يعملون بكامل القوة لمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية. إضافة الى ذلك نُشر أن بنيامين نتنياهو قرر عزل رئيس هيئة الأمن القومي، تساحي هنغبي، ضمن امور أخرى، بسبب تأييده لتشكيل لجنة تحقيق رسمية. عرفت إسرائيل في الخمسين سنة الأخيرة إخفاقات صعبة، تسببت في موت آلاف الأشخاص، وأثارت الشك بخصوص قدرة بقائها الوطني”.
وتابع تومر: “هذه الإخفاقات في التقدير، لا سيما اخفاق تشرين الأول 2023، تحتاج إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية وعلى الفور. يمكن أن تركز هذه اللجنة على أسئلة اساسية وهي كيفية منع- أو على الاقل كيفية تقليص- احتمالية تكرار فشل تقدير وطني آخر، ومن الذي يجدر إلقاء المسؤولية الشاملة عن فحص تقدير الاخطار والتهديدات، على المستوى الوطني، عليه من الآن فصاعداً”.
وأوضح أن فشل تشرين الأول 2023 هو بالنسبة لكثيرين نوع من استنساخ جيني لفشل التقدير الفظيع الذي شاهدته إسرائيل في تشرين الأول 1973، عند الاندلاع المفاجئ لحرب "يوم الغفران". في العام 1973 كانت "أمان" هي المقيم الوطني الوحيد، وهكذا أيضاً في 2023، رغم أنه كان لـ "الشاباك" دور في بلورة التقديرات والتحذيرات في كل ما يتعلق بالفلسطينيين.
وقال إن هذه الإخفاقات تحتاج إلى إجراء نقاش مهم في مسألة "المقيّم الوطني" والعلاقة بين هذا اللقب وبين المسؤولية عن تقييم الاستخبارات الوطنية. رغم الحزم الذي أظهرته لجنة اغرانات ودعوتها، ليس للمرة الاولى (سبقتها لجنة يادين – شيرف في 1963)، الى لامركزية صلاحيات التقييم في اسرائيل، استمرت شعبة الاستخبارات العسكرية في ادعاء الافضلية كجهة تقييم وطنية على مر السنين. قال بعض كبار المسؤولين في شعبة الاستخبارات العسكرية إنها هي وحدها القادرة على إجراء "بحث كامل"، لانه لا يتم أجراء ابحاث عسكرية أو سياسية إلا في اطارها (فحص النوايا والقدرات تحت سقف واحد). وقال الكثير من قادة الجيش بان الجيش هو المسؤول عن الدفاع عن الدولة. وبالتالي، من الطبيعي أن تكون هيئات التقييم العسكرية هي المسؤولة عن تقييم الأخطار على أمن الدولة. وقد رسخت كل هذه الادعاءات المكانة المهيمنة لشعبة الاستخبارات العسكرية في مجال التقييم، ليس فقط بعد حرب 1973، بل حتى في العام 2023، سواء داخل اجهزة الاستخبارات، أو امام المستوى السياسي.
وأكد أنه عندما سيتم تشكيل لجنة تحقيق رسمية للتحقيق في فشل 2023، فانه سيطلب منها طرح افكار جديدة حول توزيع صلاحيات التقييم في اسرائيل. وعندها سيكون من المناسب اتخاذ قرار تاريخي بنقل مسؤولية التقييم الوطني من الاجهزة التشغيلية – الاستخبارات العسكرية، "الموساد" و"الشاباك" – ووضعها مباشرة تحت مسؤولية الحكومة. التقييم الاستخباري الوطني يؤثر بشكل مباشر على أمن مواطني اسرائيل، لذلك فانه من المناسب تحميل مسؤولية صياغته في المقام الاول للحكومة.
وأشار إلى أنه ما لا يقل عن ذلك أهمية هو أن ينص القانون على مسؤولية الحكومة ورئيسها عن تقدير التهديدات والأخطار لمنع وضع يستطيع فيه رئيس الحكومة في المستقبل القول بأنه لم يدرك حجم الأخطار، حيث ان "الجهات المهنية" قامت بتضليله أو لم تمسكه من ياقته. تغيير نمط توزيع المسؤولية عن التقييم الوطني سيلزم رئيس الحكومة بإجراء تغييرات تنظيمية تقلص اكثر المسؤولية التي توجد بيد "أمان" والجيش الإسرائيلي، وستحدد ايضا إجراء فيه مستوى مسؤولية الحكومة عن فشل التقدير، اذا حدث، سيتم توضيحه وإبرازه.
يمكن الإشارة ايضا الى أنه في الولايات المتحدة وفي بريطانيا فان المسؤولية عن التقدير ليست من نصيب الجهات التشغيلية، بل موجودة في يد أجسام تخضع مباشرة للحكومة، عملها الأساسي هو بلورة تقدير وطني. يجدر بإسرائيل أيضا السير في هذا الاتجاه، سواء عن طريق إقامة هيئة تقدير وطني تعمل تحت رئيس هيئة الأمن القومي، الذي يخضع هو نفسه مباشرة لرئيس الحكومة، و/أو أن تكون تحت مسؤولية وزير الاستخبارات.
إقامة هيئة مسؤولة عن التقدير الوطني ستمكن الحكومة أيضا من ان تضع مباشرة برامج لجمع المعلومات في كل ما يتعلق بالأخطار والتهديدات، وهكذا، تطبيق صلاحياتها كمستوى سياسي وتحديد الى أين ستوجه أنظار منظومة الجمع في الوقت المناسب.
ستواصل الأجهزة التشغيلية انشغالها بجمع المعلومات وبلورة التقديرات من اجل نفسها. تقديراتها سيتم عرضها على "المقيّم الوطني" الجديد، لكن هو فقط الذي سيحدد تقدير الأخطار والتهديدات، وهو الذي يمكنه مطالبة الأجهزة التنفيذية بعرض قرارات الرد العملية وفقا للتقدير الوطني والمصادقة عليها. اذا تحقق هذا التوجه فانه يمكن للمستوى السياسي، للمرة الأولى، ان يكون المسؤول بالفعل عن مستوى أمن مواطني إسرائيل، وربما تقليص احتمالية حدوث إخفاق ثالث في التقدير، على شاكلة ما حدث في 1973 وفي 2023.








