تعيش مدينة طولكرم ومخيمها الرئيسي واحدة من أطول موجات العدوان الصهيوني المستمر منذ عقود، إذ تواصل قوات الاحتلال عملياتها العسكرية لليوم الـ277 على التوالي، فيما يستمر الحصار المفروض على مخيم نور شمس منذ 264 يومًا متواصلة، وفق ما أكدت اللجنة الإعلامية في طولكرم. هذا التصعيد المستمر جعل من المدينة ومخيماتها ساحة مفتوحة للعمليات الميدانية اليومية التي تتراوح بين الاقتحامات، والمداهمات الليلية، والاعتقالات الجماعية، في مشهد يعكس حالة العقاب الجماعي الممنهج ضد السكان الفلسطينيين.
تصعيد ميداني في طولكرم
شهد الأسبوع الأخير تصاعدًا خطيرًا في وتيرة الاقتحامات، حيث أضرمت قوات الاحتلال النار في منزل يعود لعائلة جوابرة بحي المنشية في مخيم نور شمس شرق المدينة، وذلك أثناء فرض حصار مطبق على المخيم ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة. الحادثة لم تكن الأولى من نوعها، إذ بات إشعال النيران في المنازل والمحال التجارية سياسة متكررة تهدف إلى ترويع السكان ودفعهم إلى ترك بيوتهم. وقد وصف شهود عيان الحادث بأنه “عمل انتقامي متعمد” جاء بعد فشل القوات الإسرائيلية في اعتقال مقاومين داخل المخيم.
تهجير قسري لعشرات الآلاف
بسبب استمرار العدوان والحصار، اضطرت أكثر من 5 آلاف عائلة إلى النزوح القسري من مخيمي طولكرم ونور شمس، أي ما يزيد على 25 ألف مواطن فقدوا منازلهم أو اضطروا لمغادرتها تحت القصف والاقتحامات. تصف المؤسسات المحلية هذا التهجير بأنه أكبر عملية نزوح تشهدها الضفة الغربية منذ سنوات، في ظل انعدام المأوى وغياب المساعدات الإنسانية الكافية، بينما تواصل قوات الاحتلال إغلاق مداخل المخيمين بالسواتر الترابية وتحويلهما إلى مناطق معزولة شبه خالية من السكان.
دمار شامل بطولكرم
وفق اللجنة الإعلامية، أدى العدوان الإسرائيلي إلى تدمير أكثر من 600 منزل تدميرًا كليًا، إضافة إلى تضرر 2573 منزلًا جزئيًا نتيجة القصف واقتحامات الجرافات العسكرية. كما شمل الدمار البنية التحتية الحيوية للمخيمين من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب تدمير واسع في المحال التجارية والمركبات والممتلكات الخاصة، ما جعل من المخيمين بيئة غير صالحة للحياة اليومية.
شهداء وجرحى طولكرم
أسفر العدوان المستمر حتى الآن عن استشهاد 14 مواطنًا، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما كانت في الشهر الثامن من الحمل، في مشهد يعكس قسوة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي لا تفرّق بين مدني ومقاتل. كما أُصيب العشرات بجروح متفاوتة، واعتُقل العديد من الشبان خلال مداهمات متكررة لمنازل المواطنين، بينما تستمر عمليات الحصار والقطع الكامل للخدمات، ما يفاقم المعاناة الإنسانية داخل المدينة والمخيمات المحاصرة.
طولكرم.. نموذج لمعاناة الضفة الغربية
يرى مراقبون أن ما يجري في طولكرم ومخيم نور شمس يجسد سياسة صهيونية ممنهجة لفرض واقع أمني جديد في الضفة الغربية يقوم على إخضاع المدن الفلسطينية من خلال القوة العسكرية والحصار الاقتصادي والاجتماعي. ومع استمرار الصمت الدولي وتراجع الاهتمام الإعلامي العالمي، يبدو أن طولكرم أصبحت مرآة مكبرة لمعاناة الفلسطينيين اليومية في الضفة الغربية، حيث تتحول الحياة إلى صراع دائم من أجل البقاء في وجه آلة الاحتلال التي لا تتوقف.










