4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مصطفى خضري يكتب: الإمارات.. نموذج أعمال وظيفي مصطنع

استشرف عبد الرحمن منيف في ملحمته "مدن الملح" نموذج "صُقْع المهان" (الإمارات)، معتبراً إياه "السرطان النهائي" للرأسمالية الصحراوية: مدينة كونية بلا ذاكرة، هشة، وتعتمد كلياً على الأجانب. وخلال العقدين الماضيين، برزت الإمارات كتطبيق محدث لهذه النبوءة، فبنت نفوذاً إقليمياً واسعاً يتجاوز حجمها، محوّلةً نفسها إلى قوة فاعلة تسعى لتشكيل الأحداث في الشرق الأوسط. لكن عند تفكيك هذا النموذج، نكتشف أنه ليس استراتيجية دولة، بل "نموذج أعمال" (Business Model) هجين يتجاوز السنن الكونية،

بقلم: مصطفى خضري
٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
29 مشاهدة
الإمارات محمد بن زايد

الإمارات محمد بن زايد

استشرف عبد الرحمن منيف في ملحمته "مدن الملح" نموذج "صُقْع المهان" (الإمارات)، معتبراً إياه "السرطان النهائي" للرأسمالية الصحراوية: مدينة كونية بلا ذاكرة، هشة، وتعتمد كلياً على الأجانب. وخلال العقدين الماضيين، برزت الإمارات كتطبيق محدث لهذه النبوءة، فبنت نفوذاً إقليمياً واسعاً يتجاوز حجمها، محوّلةً نفسها إلى قوة فاعلة تسعى لتشكيل الأحداث في الشرق الأوسط. لكن عند تفكيك هذا النموذج، نكتشف أنه ليس استراتيجية دولة، بل "نموذج أعمال" (Business Model) هجين يتجاوز السنن الكونية، وكأي نموذج بُني على قواعد خاطئة، فإنه يحمل في طياته بذور انهياره.

أبناء الساحل الشرير

لفهم عقلية هذا النموذج، لا بد من العودة إلى جذوره كـ"وكيل" للاحتلال البريطاني على "ساحل عمان". في هذا الإطار، برز آل نهيان كعميل فعال، متقنِين فن تقديم الخدمات الأمنية مقابل الحماية والامتيازات. هذا الدور التاريخي كـ"مرتزقة استراتيجيين" ترسخ في الحمض النووي السياسي للقيادة ليصبح استراتيجية متوارثة: خدمة القوى الخارجية لتعزيز النفوذ الداخلي. هذا الفكر هو ما نراه اليوم يُطبق على نطاق أوسع؛ فمع تغير القوة المهيمنة، تعلم آل زايد أن يخدموا أكثر من سيد، وتغير شكل "الخدمات" من محاربة مناهضي الاحتلال إلى محاربة تطلعات الشعوب للحرية عموماً والتيارات الإسلامية منها خصوصاً، لكن جوهر النموذج كـ"نظام وظيفي" لم يتغير.

ضحايا نموذج الأعمال الإماراتي

خلف واجهات الإمارات اللامعة، تقبع حقيقة مظلمة من الدماء والدمار. ففي اليمن، تسببت الحرب التي كانت الإمارات لاعباً رئيسياً فيها بمقتل مئات الآلاف ودفع الملايين إلى حافة المجاعة. وفي ليبيا، وثّق خبراء الأمم المتحدة دورها في إطالة أمد الحرب بدعمها لقوات حفتر. أما في السودان، فقد تحولت الاتهامات إلى حقائق دامغة، حيث كشفت تقييمات استخباراتية أمريكية نشرتها وول ستريت جورنال عن إدارة الإمارات لجسر جوي لتسليح 'قوات الدعم السريع' بأسلحة نوعية، مما مكّن الميليشيا المتهمة بالإبادة الجماعية من تحويل المدن السودانية وآخرها الفاشر إلى مسلخ بشري.

يصل هذا الدور ذروته في دعم الانقلابات العسكرية كما في مصر، ومحاولة احتلال دولة شقيقة "قطر"، والشراكة العضوية مع الكيان الصهيوني التي تحولت إلى ضمانة لاستمرار هذا النموذج الوظيفي المصطنع، حتى أن أبوظبي قد تمادت وباتت شريكة سياسية واقتصادية للكيان في مجازر غزة. إن "نموذج الأعمال" هذا، في سعيه للربح والنفوذ، قد تجاهل عقيدته وعروبته، ودأب على التعامل مع الدماء البريئة كبند في ميزانية، ومع مصائر الشعوب كأصل يمكن المتاجرة به.

جوهر النموذج الإماراتي الهجين

 

لقد حاولت الإمارات تجاوز قيود الجغرافيا والسكان التي كبلت القوى التقليدية. وبدلاً من الاعتماد على العمق الاستراتيجي والكتلة البشرية اللتان تفقدهما، أسست نفوذها على قواعد "جيوسياسية الشبكات" الحديثة. لقد حولت ثروتها النفطية الهائلة إلى سيولة استثمارية فتاكة، واستخدمت صناديقها السيادية كأذرع سياسية، مستهدفة السيطرة ليس على الأراضي، بل على "عُقَد" الشبكات العالمية: الموانئ الاستراتيجية، التدفقات المالية، والممرات اللوجستية.

في هذا النموذج، لا تُقاس القوة بعدد الجنود على الأرض، بل بالقدرة على "إسقاط النفوذ" عبر وكلاء محليين، ودعم مالي، وتكنولوجيا عسكرية متطورة يتم شراؤها من السوق العالمية. لقد أتقنت الإمارات فن "الاستعانة بمصادر خارجية" (Outsourcing) في كل شيء تقريباً؛ من الخبراء الذين يديرون اقتصادها، إلى الشركات التي تبني بنيتها التحتية، وصولاً إلى المقاتلين الذين يخوضون حروبها بالوكالة.

وبرغم كل الزخم الخارجي لهذا النموذج، إلا أن قلبه كـ"نظام وظيفي" لم يتغير. وتتجلى ذروة هذه المفارقة في أن هذا النفوذ العسكري الهجومي، الذي يصول ويجول في عواصم عربية، يقف عاجزاً تماماً أمام حقيقة أن ثلاثٌ من جزر الدولة نفسها (أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى) لا تزال تحت الاحتلال الإيراني منذ عقود، في دليل صارخ على أن هذه القوة ليست قوة سيادة حقيقية، بل قوة وظيفية لا تتحرك إلا بإذن وفي الساحات المسموح بها.

هذا إذن هو جوهر النموذج الإماراتي: نظام هجين أشبه بشخصية "فرانكشتاين" لا يدير الدولة بمنطق الوطن والسيادة والكرامة، بل بعقلية نظام وظيفي يسعى للسيطرة على غيره؛ كما هو تحت سيطرة أخرين، حيث المادة هي المعيار، والولاء سلعة يمكن شراؤها.

كعب أخيل النموذج الفرانكشتايني

إن البعض يدعي أن النموذج الإماراتي هو تكرار للتجربة السنغافورية، ولكن هذه المقارنة قياس مضلل. فسنغافورة بنت الإنسان قبل المكان، وثروتها "مُكتسبة" وليست "ريعية"، وسياستها الخارجية دفاعية وليست هجومية. هذا الفشل في محاكاة نموذج مستدام دفع الإمارات لتبني مرحلتها النهائية: التحول إلى "وكيل إمبريالي" نشط بعقيدة مصلحية عدمية، يستنسخ أدوات الهيمنة، ويقيم شراكة عضوية مع المشروع الصهيوني، ليصبح هو نفسه "التجلي الثاني" لمشروع الهيمنة الإقليمية.

ولكن "العيب الخلقي" في هذا النموذج الفرانكشتايني يكمن في اعتماده على أسس مستوردة ومؤقتة. فمساحة الدولة التي لا تزيد عن 84  ألف كيلو متر ونسبة المواطنين التي لا تتجاوز 11.5% تكشف عن التفاعل بين عوامل الضعف الجيوسياسي والهشاشة الديموغرافية، مما يضع النموذج الإماراتي أمام ثلاثة تحديات وجودية:

1- أزمة الولاء المشروط: ولاءات المرتزقة والخبراء الأجانب مبنية على المصلحة، وتتبخر فوراً عندما تفوق التكلفة العائد.

2-الاعتماد القاتل على السيولة: النموذج آلة تحتاج لتزييت مستمر بالمال. أي أزمة طاقة أو أزمة مالية عالمية يمكن أن توقف المحرك وتؤدي لانهيار الهيكل.

3-غياب العمق البشري الوطني: بناء قاعدة بشرية وطنية قادرة على إدارة دولة معقدة يستغرق أجيالاً. ستظل الإمارات رهينة للخبرات الأجنبية، مما يجعلها دولة جوفاء مهما بدا سطحها لامعاً.

ولهذا؛ فالدور الإماراتي الحالي ليس قدراً، بل مرحلة استثنائية. ومثل هذه النماذج التي تتجاوز قدراتها الذاتية نادراً ما تصمد.

وهنا يصبح السؤال المصيري هو: هل ستنجح الإمارات في تحويل "نموذج الأعمال" الوظيفي المصطنع إلى "مشروع دولة" مستدام قبل أول اختبار حقيقي؟

الأرجح لا. فالسقوط قد يأتي على شكل انكماش استراتيجي قسري؛ عندما تصبح تكلفة الحفاظ على النموذج الهجين باهظة، أو على شكل انهيار مفاجئ؛ بسقوط نظام أبوظبي. حينها، سيكتشف العالم أن هذا الصرح الكبير لم يكن قلعة حصينة، بل مجرد نموذج أعمالٍ فرانكشتايني، صُنع لينهار.

مصطفى خضري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

مصطفى خضري يكتب: الإمارات.. نموذج أعمال وظيفي مصطنع - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°