في خطوة لافتة وغير مسبوقة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، أعلنت الحكومة البريطانية تعديل سياسات التأشيرات الخاصة بالطلاب الدوليين، بما يتيح للفلسطينيين الحاصلين على منح دراسية في الجامعات البريطانية جلب أفراد عائلاتهم من القطاع المحاصر.
القرار، الذي كشفته صحيفة "الجارديان" البريطانية، جاء استجابة لضغوط سياسية وشعبية متصاعدة داخل المملكة المتحدة، بعد أن كانت القواعد السابقة تمنع هؤلاء الطلاب من اصطحاب أسرهم، رغم الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها القطاع منذ عامين.
لماذا يهم الأمر؟
هذه الخطوة تمثل اعترافًا ضمنيًا من لندن بحجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، وبأن معايير الهجرة الجامدة لم تعد تتسق مع الواقع الإنساني المتدهور هناك.
كما يعكس القرار تحوّلًا في المزاج السياسي البريطاني، بعد تزايد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بسبب صمتها إزاء جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وتنامي الضغط النيابي والمجتمعي لعدم التخلي عن الطلبة الفلسطينيين الذين يمثلون رموزًا للأمل والتعليم وسط الدمار.
ما وراء الكواليس:
بحسب تقرير "الجارديان"، جاء القرار بعد سلسلة من التحركات داخل البرلمان البريطاني شارك فيها أكثر من 100 نائب من مختلف الأحزاب، طالبوا الحكومة بتغيير سياستها والسماح للطلاب الفلسطينيين باصطحاب أسرهم.
كما لعبت منظمات حقوقية وإنسانية كبرى، أبرزها مجلس اللاجئين البريطاني وجامعة أكسفورد، دورًا محوريًا في الضغط العلني ضد القرار السابق الذي كان يجبر الطلاب على ترك عائلاتهم في مناطق الحرب، واصفين ذلك بأنه "عمل لا إنساني" يتنافى مع القيم البريطانية في حماية اللاجئين والمتضررين.
ما الذي يدفع الخبر؟
القرار الحكومي الجديد ينص على أن الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون للحصول على درجات بحثية يمكنهم الآن اصطحاب عائلاتهم، بشرط تقديم إثباتات مالية كافية لتغطية تكاليف المعيشة — والمقدرة بـ 7600 جنيه إسترليني سنويًا في لندن و6000 جنيه خارجها.
ووفقًا للصحيفة، فإن نحو 75 طالبًا فلسطينيًا وصلوا إلى بريطانيا منذ بدء عمليات الإجلاء الشهر الماضي، بينهم 17 طالبًا وصلوا هذا الأسبوع فقط، بينما يُتوقّع أن يستفيد عدد إضافي من القرار الجديد خلال الأسابيع المقبلة.
نظرة قريبة:
قال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن "الطلاب القادمين من غزة عانوا محنة مروعة بعد عامين من الصراع"، مؤكدًا أن المملكة المتحدة "ستساعد في إجلاء أفراد عائلات الطلاب المؤهلين" وفق القواعد المعدّلة للهجرة.
أما إنفر سولومون، الرئيس التنفيذي لمجلس اللاجئين، فاعتبر أن القرار الجديد "خطوة في الاتجاه الصحيح بعد قسوة غير مبررة"، مشيرًا إلى أنه "من اللاإنسانية أن يُقال لطلاب فرّوا من الدمار في غزة إن عليهم الاختيار بين تعليمهم وعائلاتهم".
نظرة أوسع:
يرى مراقبون أن هذه التعديلات تعكس بداية تحوّل أوسع في تعامل لندن مع الملفات الفلسطينية، خصوصًا بعد تزايد الأصوات داخل المجتمع البريطاني التي تطالب بسياسة أكثر توازنًا تجاه الحرب على غزة.
ففي الوقت الذي تواصل فيه حكومة نتنياهو عدوانها على المدنيين، بدأت بعض الحكومات الغربية — ومنها بريطانيا — في إعادة النظر تدريجيًا في سياساتها، تحت ضغط الرأي العام والبرلماني، ما قد يفتح الباب أمام تغييرات تدريجية في الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
الواقع:
القرار البريطاني، رغم أنه محدود من حيث النطاق، يحمل دلالات إنسانية وسياسية عميقة. فهو يمنح الأمل لعشرات الطلاب الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم بين التعليم والمنفى، وبين البقاء في وطن مدمر أو بناء حياة جديدة في المنفى البريطاني.
لكن الأهم أنه يكشف عن تصدّع في جدار اللامبالاة الغربية، ويعيد النقاش حول مسؤولية الحكومات عن تخفيف معاناة المدنيين في غزة، لا سيما حين تكون تلك الحكومات شريكة في السياسات التي أدت إلى مأساتهم.










