17 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: الفاشر تُنتهك.. والعالم يعدّ الضحايا في صمت مخزٍ

في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية، تتكشف في مدينة الفاشر مأساة جديدة وصفها مندوب السودان في الأمم المتحدة بأنها “إبادة جماعية بكل المعايير”

بقلم: د. محمد الصاوي
٣١ أكتوبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
1 مشاهدة
الفاشر

الفاشر

في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية المعاصرة، تتكشف في مدينة الفاشر مأساة جديدة وصفها مندوب السودان في الأمم المتحدة بأنها “إبادة جماعية بكل المعايير”. في هذا المقال، نحلل  أبعاد الكارثة، وصمت العالم أمام تكرار مأساة دارفور بعد عقدين من الألم.

مشهد من قلب الجحيم

“كما يتم انتهاك النساء والفتيات في وضح النهار، فإن ما تقوم به هذه الميليشيا لم يعد مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل هو جريمة جديدة ضد الإنسانية، وإبادة جماعية ممنهجة بكل المعايير.”
بهذه الكلمات القاسية دوّى صوت مندوب السودان في الأمم المتحدة، كاشفًا أمام العالم فصول جريمة جديدة تتكشف في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، التي تحولت خلال أيام إلى رماد منازل، وجثث متناثرة، ونساء مكلومات.

ما يحدث هناك ليس مجرد صراع داخلي، بل تكرار مرعب لمشهد رواندا 1994 والبوسنة 1995، حيث وقف العالم متفرجًا حتى امتلأت المقابر الجماعية وامّحت القرى من الخرائط.

من “الانتهاكات” إلى “الإبادة”.. التحول في التوصيف القانوني

من الناحية القانونية، يمثل تصريح المندوب السوداني سابقة مهمة؛ إذ ينقل الصراع من مستوى “جرائم الحرب” إلى “الإبادة الجماعية الموصوفة” وفق اتفاقية عام 1948.
فالإبادة الجماعية لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بنية القتل المنهجي واستهداف جماعة بعينها لتدميرها كليًا أو جزئيًا.
والدلائل القادمة من الميدان – من اغتصاب جماعي، وعمليات تطهير عرقي، واستهداف إثني مباشر – تؤكد أن ما يجري في دارفور اليوم يستوفي العناصر القانونية الكاملة للجريمة الدولية الأخطر على الإطلاق.

دارفور مجددًا.. جرح لم يلتئم منذ عقدين

دارفور ليست غريبة على المآسي؛ فمنذ 2003، قُتل ما يزيد عن 300 ألف إنسان في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
لكنّ الجديد اليوم أن ميليشيا الدعم السريع، التي خرجت أصلاً من رحم الحرب الأولى، تحوّلت إلى قوة متمردة تمتلك دعمًا خارجيًا وتمويلًا إقليميًا مكّنها من فرض واقع جديد في غرب السودان.
ومع سقوط الفاشر بيدها، تتهاوى ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويتحول الإقليم إلى منطقة نفوذ مفتوحة لكل اللاعبين الإقليميين الباحثين عن الذهب، والموانئ، والنفوذ الجيوسياسي.

صمت دولي مريب.. وتواطؤ ضمني

الأدهى من فظاعة الجريمة هو السكوت الأممي والإقليمي.
فالأمم المتحدة تكتفي ببيانات “القلق العميق”، والاتحاد الإفريقي غارق في اجتماعات شكلية، بينما تلتزم الجامعة العربية صمتًا فاضحًا وكأن دارفور ليست من خريطة الوجدان العربي.
بل إن بعض القوى الإقليمية – وعلى رأسها الإمارات – تُتهم بدعم ميليشيات الدعم السريع بالسلاح والتمويل، في إطار صراع النفوذ الذي تجاوز حدود السودان إلى قلب الأمن القومي المصري والإفريقي.

فشل النظام الدولي.. وازدواجية العدالة

ما يجري في السودان اليوم يُعد شهادة جديدة على انهيار النظام الدولي القائم على “القيم الإنسانية”.
فالعالم الذي تحرك بسرعة من أجل أوكرانيا، يصمت أمام إبادة جديدة في إفريقيا السوداء، وكأن لون الضحايا يحدد أولوية العدالة.
إنها ازدواجية فجّة تعيد إلى الأذهان قول كوفي عنان بعد مجزرة رواندا:

“الأسوأ من الفشل هو ألا نتعلم من الفشل.”

الفاشر.. جرح السودان المفتوح

اليوم، تُدفن الحقيقة مع الضحايا.
المدينة التي كانت تُعرف بـ“عروس دارفور” أصبحت رمزًا لانكسار الضمير الإنساني.
تُغتصب النساء، ويُقتل الأطفال، وتُحرق الأحياء على مرأى العالم، دون أن تهتز ضمائر الحكومات التي تتغنى بحقوق الإنسان في المؤتمرات الدولية.

حين يعجز العالم عن الخجل

ليس في دارفور اليوم حرب أهلية، بل مشروع إبادة كاملة لشعبٍ تُرك وحيدًا بين أنياب الميليشيات وصمت العالم.
إن لم يتحرك المجتمع الدولي الآن، فسيُكتب في كتب التاريخ أن "الفاشر كانت رواندا الثانية، وأن مجلس الأمن جلس يعدّ الضحايا بدلًا من أن يمنع الجريمة".

كم مرة يجب أن يُباد شعبٌ حتى يصحو الضمير الدولي؟

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. محمد الصاوي يكتب: الفاشر تُنتهك.. والعالم يعدّ الضحايا في صمت مخزٍ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°