على الرغم من أن نتائج الانتخابات الهولندية الأخيرة أظهرت خسائر لخيرت فيلدرز، زعيم اليمين المتطرف المخضرم، فإن الصورة الأوسع في أوروبا تكشف أن هذا التيار لم ينكسر، بل يعيد تموضعه داخل المشهد السياسي القاري.
ففيلدرز قد خسر مقاعده، لكنه لم يفقد تأثيره، ولا تزال أفكاره المناهضة للهجرة راسخة في وجدان قطاعات واسعة من الناخبين الأوروبيين.
لماذا يهم الأمر؟
تمثل تجربة فيلدرز في هولندا نموذجًا مصغرًا للتيار اليميني الشعبوي في أوروبا، الذي يتأرجح بين المشاركة في الحكم والعودة إلى صفوف المعارضة دون أن يفقد جاذبيته الانتخابية.
خسارته الأخيرة لا تعني تراجعًا أيديولوجيًا، بل تكشف حدود قدرته على التحول من معارضة صاخبة إلى إدارة ناجحة للحكم.
ما الذي يحدث؟
ذكرت صحيفة ذا غارديان البريطانية أن الحزب الذي يقوده فيلدرز ـ حزب الحرية ـ يستعد للعودة إلى صفوف المعارضة بعد أن فقد عددًا من مقاعده، لكنه ما زال على قدم المساواة مع حزب D66 الوسطي بزعامة روب يتن من حيث الحجم داخل البرلمان الهولندي. هذا يعني أن التيار المناهض للهجرة لا يزال أحد أعمدة المشهد السياسي، حتى إن فقد موقعه في الحكومة.
وقد وصف فيلدرز خسارته بأنها "مؤقتة"، متعهدًا بمواصلة القتال من مقاعد المعارضة، ومكررًا عبارته الساخرة: "لن تتخلصوا مني حتى أبلغ الثمانين". كما لوّح بإمكانية المطالبة بإعادة فرز الأصوات، في خطوة رمزية تشبه أساليب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالما عبّر فيلدرز عن إعجابه به.
ما وراء الكواليس:
يرى مراقبون أن أسباب خسارة فيلدرز تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية: ضعف أداء حكومته الأولى، وتزايد المنافسة على اليمين، ونجاح الأحزاب الوسطية في توحيد صفوفها ضده. فقد فشل وزراؤه الجدد في التعامل مع أبرز الملفات التي أوصلتهم إلى الحكم، وعلى رأسها ملف الهجرة، كما أن أزمات أوسع مثل أزمة السكن زادت من استياء الناخبين.
الدكتور رينيه كوبرس من معهد "كلينغنديل" الهولندي قال إن التجربة "ستكون تحذيرًا لبقية زعماء اليمين الشعبوي في أوروبا، من فرنسا إلى ألمانيا، بأن الفشل في إدارة الحكم يمكن أن يكون القشة التي تقصم الظهر السياسي".
ما الذي يدفع الخبر؟
بحسب الخبيرة السياسية سارة دي لانغ من جامعة لايدن، فإن فيلدرز دفع ثمن افتقاره إلى الخبرة الحكومية، إذ لم ينجح فريقه في الانتقال من الشعارات إلى إدارة الملفات اليومية المعقدة.
وأضافت أن التجارب الأوروبية السابقة، مثل فنلندا والنرويج والنمسا، أثبتت أن الأحزاب اليمينية الأكثر خبرة قادرة على البقاء في الحكم لسنوات طويلة دون أن تفقد شعبيتها.
عزلة سياسية مؤلمة
تفاقم ضعف فيلدرز بسبب عزله من قبل الأحزاب التقليدية التي رفضت الدخول معه في أي ائتلاف بعد أن اتهموه بعدم الموثوقية عقب انهيار حكومته السابقة. هذا الموقف دفع بعض مؤيديه نحو أحزاب يمينية أكثر اعتدالًا. ومع ذلك، تؤكد دي لانغ أن هذه الاستراتيجية ليست مضمونة النتائج، إذ عادة ما يفترض الناخبون أن الحزب الذي دخل الحكومة مرة قادر على العودة إليها لاحقًا، وهو ما يحافظ على جاذبية فيلدرز لدى قاعدته.
اللافت أن فيلدرز اتبع ما وصفته دي لانغ بـ"استراتيجية القدم داخل الحكومة والقدم الأخرى خارجها"، إذ بقي في البرلمان بعد انهيار الائتلاف ليهاجم سياسات الحكومة التي كان جزءًا منها، محاولًا الجمع بين دور المعارض والمشارك في آن واحد.
منافسة من اليمين واليسار
تراجعت هيمنة فيلدرز على ملف الهجرة بعدما تبنت أحزاب الوسط واليسار مواقف أكثر تشددًا في هذا الشأن، مع وعود بترحيل أسرع للمهاجرين والتنسيق مع بروكسل في ضبط الحدود. أما مقترحاته الأكثر تطرفًا ـ مثل نشر الجيش على الحدود أو رفض طلبات اللجوء كليًا ـ فقد واجهت رفضًا قانونيًا أوروبيًا ودوليًا.
في الوقت نفسه، برز منافسون جدد على يمين الساحة السياسية، مثل حزب "JA21" الذي حصل على تسعة مقاعد ومن المتوقع أن يشارك في الحكومة المقبلة. وتشير التحليلات إلى أن هذه التجزئة في أصوات اليمين المتطرف تكرر ما حدث في إيطاليا وفرنسا، حيث انقسمت القوى اليمينية إلى عدة أحزاب، لكنها مجتمعةً زادت من حجم الكتلة القومية الرافضة للهجرة.
نظرة أوسع:
تقول دي لانغ إن نسبة الهولنديين المستعدين للتصويت لأحزاب مناهضة للهجرة ارتفعت من 20% إلى 30% خلال السنوات الأخيرة، ما يعني أن القاعدة الاجتماعية لهذا الخطاب آخذة في الاتساع رغم تعثر قادته. وأضافت: "يجب أن نكون حذرين من الافتراض بأن هناك سقفًا محددًا لتأييد سياسات الهجرة المتشددة".
فيلدرز.. زعيم بحزب من رجل واحد
تعاني بنية حزب فيلدرز من مركزية خانقة، إذ لا يضم أعضاء سوى الزعيم نفسه، الذي يختار المرشحين ويسيطر على الرسائل السياسية بالكامل. وفي مناظرة انتخابية، سخرت منافسته ديلان يسيليغوز قائلة: "حزب الحرية مجرد رجل واحد وحساب على تويتر، ولا شيء أكثر من ذلك".
هذه الهيمنة ساعدت فيلدرز في الحفاظ على الانضباط الداخلي، لكنها باتت عبئًا انتخابيًا، إذ يعتبرها كثير من الناخبين سلوكًا غير ديمقراطي. وأظهرت استطلاعات أجرتها شركة "إيبسوس" قبيل الانتخابات أن نحو نصف مؤيدي فيلدرز يرغبون في انفتاح الحزب على عضوية أوسع.
ومع ذلك، لا يبدو أن فيلدرز مستعد لتغيير أسلوبه. فالرجل الذي بنى نفوذه على خطاب التحدي والعزلة السياسية يفضل البقاء كما هو: صاخبًا في المعارضة، متحكمًا في كل التفاصيل، ومصرًا على أن اليمين المتطرف لم يقل بعد كلمته الأخيرة في أوروبا.
الواقع:
رغم خسارته في الانتخابات، يظل خيرت فيلدرز رمزًا متجذرًا في التيار اليميني الأوروبي، ودليلًا على أن الهزائم الانتخابية لا تساوي بالضرورة نهاية النفوذ السياسي. فالأفكار التي مثّلها لم تتراجع، بل وجدت من يواصل حملها في دول أخرى، ما يجعل أوروبا مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة تشكّل اليمين الشعبوي بدل أفوله.










