4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

لا عزاء لـ"قانون ليهي".. وثيقة أمريكية: إسرائيل انتهكت حقوق الإنسان بغزة

كشف تقرير سري صادر عن مكتب مراقب الحسابات في وزارة الخارجية الأمريكية عن وقوع "مئات" من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها إسرائيل في غزة خلال العدوان الأخير.

بقلم: عمرو المصري
٣١ أكتوبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
5 مشاهدة
وثيقة أمريكية مسربة تكشف جرائم إسرائيل في غزة

وثيقة أمريكية مسربة تكشف جرائم إسرائيل في غزة

كشف تقرير سري صادر عن مكتب مراقب الحسابات في وزارة الخارجية الأمريكية عن وقوع "مئات" من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة خلال العدوان الأخير. التقرير أُنجز قبل أيام قليلة من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، لكنه ظل طي الكتمان إلى أن كشفت صحيفة واشنطن بوست بعض تفاصيله نقلاً عن مسؤولين أمريكيين مطلعين.

ووفقًا لما نشرته الصحيفة، فإن وزارة الخارجية الأمريكية ستحتاج إلى سنوات كاملة لمراجعة وتقييم حجم هذه الانتهاكات، في إشارة إلى ضخامة الأدلة الميدانية وتعقيد الملفات القانونية المتعلقة بها. ويُعدّ هذا التقرير أول اعتراف رسمي من الإدارة الأمريكية بوقوع انتهاكات جسيمة في غزة على يد الجيش الإسرائيلي، ما يمثل تحوّلًا نوعيًا في السردية الأمريكية المعتادة التي تميل إلى تبرير أفعال تل أبيب أو تجاهلها.

لماذا يهم الأمر؟

تكمن أهمية التقرير في أنه يضع واشنطن وجيشها القانوني أمام اختبار نادر لقانون ليهي، الذي يحظر تقديم مساعدات أمنية لأي وحدات أجنبية يُعتقد بأنها ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وبما أن إسرائيل تتلقى سنويًا ما لا يقل عن 3.8 مليار دولار من الدعم العسكري الأمريكي، فإن أي إقرار رسمي بهذه الانتهاكات قد يُلزم الحكومة الأمريكية قانونيًا بوقف هذا التمويل أو مراجعته.

اللافت أن التقرير، رغم سريته، يثير أسئلة جوهرية حول ازدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع حقوق الإنسان، خاصة أن وزارة الخارجية، بحسب مصادر الصحيفة، تدرك أن التحقيق الفعلي في تلك الحوادث قد يُحدث صدامًا مباشرًا مع إسرائيل، ما يجعلها تميل إلى إبطاء الإجراءات ودفن الملف في البيروقراطية.

ما وراء الكواليس

ذكرت واشنطن بوست أن التقرير يتناول حوادث وُصفت بأنها "واسعة النطاق ومنهجية" تشمل القصف العشوائي، واستهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية المدنية في غزة. ووفق مسؤولين أمريكيين تحدثوا للصحيفة، فإن عدد الانتهاكات المسجلة في التقرير "غير مسبوق" في أي علاقة تعاون عسكري بين الولايات المتحدة وحليف خارجي.

وبحسب المصادر ذاتها، أشار معدو التقرير إلى أن إمكانية التحقيق أو المحاسبة محدودة جدًا بسبب "الطبيعة المتحيزة للإجراءات الأمريكية تجاه إسرائيل"، وهو ما يفسر تحفظ الخارجية على نشر النتائج كاملة. فالتقرير، وإن كان منجزًا فنيًا، إلا أنه يُعدّ سياسيًا قنبلة دبلوماسية مؤجلة يمكن أن تهز أركان العلاقة الأمنية الأمريكية الإسرائيلية إذا طُرحت للنقاش العلني أو أمام الكونغرس.

ما وراء القانون

قانون ليهي الذي استند إليه التقرير وُضع لمنع تورط واشنطن في تمويل كيانات أجنبية ترتكب جرائم حرب، كالتعذيب والإعدامات خارج نطاق القضاء. وقد سُمّي باسم السيناتور الديمقراطي باتريك ليهي، الذي ظل لعقود من أبرز المدافعين عن الشفافية والمساءلة في المساعدات العسكرية الأمريكية. لكن ما يجعل حرب غزة اختبارًا استثنائيًا لهذا القانون هو أن المتورط المفترض ليس دولة هامشية أو خصمًا سياسيًا، بل الحليف الأكثر قربًا لواشنطن في الشرق الأوسط.

التقرير يُعيد تسليط الضوء على معضلة أخلاقية وسياسية طالما تهربت منها الإدارات الأمريكية المتعاقبة: هل تُطبق واشنطن قوانينها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟ فبينما يُستخدم قانون ليهي بصرامة ضد دول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، غالبًا ما يُستثنى منه الجيش الإسرائيلي رغم تكرار تقارير المنظمات الدولية التي توثق الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.

نظرة أوسع

إقرار الخارجية الأمريكية، ولو ضمنيًا، بوجود "مئات" الانتهاكات في غزة، يعني أن واشنطن لم تعد قادرة على إنكار ما أصبح موثقًا بالصوت والصورة أمام الرأي العام العالمي. فالمجازر، والدمار، وعمليات القصف التي استهدفت المستشفيات والمدارس، كلها جعلت التواطؤ الأمريكي مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى.

ويشير التقرير إلى أن السنوات المقبلة قد تشهد صراعًا داخليًا بين مؤسسات الدولة الأمريكية: من جهة، يسعى البيت الأبيض لحماية إسرائيل سياسيًا، ومن جهة أخرى، يواجه ضغطًا قانونيًا من الكونغرس ومنظمات حقوقية تطالب بتطبيق القانون دون استثناء.

الواقع

بين الوثيقة السرية التي تسربت، والدماء التي ما زالت تُراق في غزة، يبرز التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية: واشنطن تشرّع القوانين لحماية حقوق الإنسان، ثم تعطلها حين يتعلق الأمر بإسرائيل.

تقرير الخارجية لم يكن مجرد وثيقة محاسبية، بل شهادة رسمية على أن المساعدات الأمريكية تُستخدم في حرب تُخالف مبادئها نفسها — حرب تكشف كل يوم أن التحالف مع إسرائيل أصبح عبئًا أخلاقيًا وقانونيًا على أمريكا قبل أن يكون ورقة نفوذ في الشرق الأوسط.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

لا عزاء لـ"قانون ليهي".. وثيقة أمريكية: إسرائيل انتهكت حقوق الإنسان بغزة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°