20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

صواريخ بـ3.7 مليار دولار و425 ألف بندقية: تحالف الدم بين الهند والاحتلال

حين يُذكر تاريخ هذه المرحلة، ستُسجّل الهند كدولة اختارت الربح على المبادئ، وتماهت مع قاتل شعوب تحت ذريعة التنمية. لم تكن هذه الصفقات سوى صفقة ضمير، باعت فيها

بقلم: عمرو المصري
٣١ أكتوبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
رئيس وزراء الهند مودي ورئيس وزراء العدو نتنياهو

رئيس وزراء الهند مودي ورئيس وزراء العدو نتنياهو

في الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات الدولية ضد جرائم الاحتلال في غزة، اختارت حكومة ناريندرا مودي أن تمضي عكس التيار، فتمدّ يدها إلى تل أبيب لا للوساطة أو الإدانة، بل لتزويدها بالشرعية والمال، عبر صفقات عسكرية هائلة بلغت قيمتها أكثر من ٣.٧ مليار دولار. هذه الصفقات، التي يوافق عليها مجلس مشتريات الدفاع في 23 نوفمبر، تشمل صواريخ MR-SAM وأنظمة دفاع جوي وطائرات مُسيّرة وأسلحة دقيقة، تُنتج بالتعاون مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) داخل الأراضي الهندية نفسها.

تتجاوز دلالات هذه الصفقات الطابع الاقتصادي البحت؛ فهي إعلان صريح لانخراط نيودلهي في مشروع عسكري متكامل مع كيان يواصل ارتكاب المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين. وبدلاً من أن تراجع الهند سجل الاحتلال الدموي، قررت أن تُدخل شركاته إلى مصانعها تحت شعار «اصنع في الهند»، لتتحول هذه المبادرة القومية إلى غطاء لتبييض السلاح الإسرائيلي وتوسيع انتشاره في آسيا.

صفقات تصنع التواطؤ

بحسب تقارير هندية رسمية، تشمل الصفقة توريد أكثر من 300 وحدة من منظومة MR-SAM، وهي منظومة دفاعية إسرائيلية الصنع تدمج تقنيات الرادار والتحكم والإطلاق الذكي. المشروع يُدار عبر فرع إسرائيلي في الهند يحمل اسم ASI، يضم 50 موظفًا، 97% منهم هنود، لكنه يعمل وفق توجيهات مباشرة من تل أبيب ومن وزارة الحرب الإسرائيلية.

هذا الشكل من "التوطين" ليس إلا إعادة تدوير للاحتلال في ثوب جديد. فالهند، عبر هذه الشراكات، لا تبني صناعتها الوطنية كما تزعم، بل تفتح أبوابها لاختراق إسرائيلي منظم لقطاعها العسكري، يتيح لتل أبيب التحكم في سلاسل التوريد، والتغلغل في مراكز القيادة والتقنيات المتقدمة، وصولًا إلى تشكيل عقيدة تسليح هندية تدين في جوهرها للمصدر الإسرائيلي.

البنادق الإسرائيلية في أيدي الهنود

وفي موازاة الصواريخ، أبرمت نيودلهي صفقة لا تقل خطورة مع شركة Israel Weapons Industries (IWI)، لتزويد جيشها بـ 425 ألف بندقية هجومية من طراز CQB بقيمة تقارب 3.3 مليار دولار. المشروع ينفذ عبر شركة PLR Systems المشتركة بين مجموعة Adani الهندية (التي تملك ميناء حيفا الإسرائيلي) والملياردير الإسرائيلي سامي كاتساف.

هذه الصفقة الضخمة ليست مجرد عقد توريد، بل خطوة استراتيجية لإحكام الارتباط بين المؤسسة العسكرية الهندية والمصانع الإسرائيلية، حيث ستُنتج البنادق داخل الهند بنسبة محلية شكلية فقط، بينما التقنية والتصميم والمكونات الأساسية تبقى إسرائيلية بالكامل. هكذا تتحول الهند إلى ورشة إنتاج بديلة لتخفيف الضغط على الصناعة العسكرية الإسرائيلية التي تواصل تسليح جيش الاحتلال أثناء حربه على غزة.

صناعة تبرّر المجازر

منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، كانت الهند واحدة من الدول القليلة التي تجنبت إدانة الاحتلال صراحة، وواصلت التعاون العسكري معه دون انقطاع. ومع هذه الصفقات الجديدة، يتضح أن العلاقة بين نيودلهي وتل أبيب تجاوزت حدود التعاون التجاري إلى شراكة في صناعة القتل ذاتها.

ففي الوقت الذي تقصف فيه طائرات الاحتلال المستشفيات والمنازل في غزة، تعمل شركاته في دلهي وحيدر آباد وبوني على تطوير الأسلحة نفسها التي تُستخدم في تلك الجرائم. الهند لم تعد متفرجة، بل أصبحت شريكًا فعليًا في تمويل آلة الحرب، سواء عبر شراء السلاح الجاهز أو السماح بإنتاجه محليًا تحت راية “التصنيع الوطني”.

من الاقتصاد إلى الإيديولوجيا

تُظهر سياسات مودي أن الدافع الحقيقي خلف هذا التقارب ليس فقط الطموح الصناعي أو الحاجة إلى التسلح، بل تقاطع أيديولوجي واضح مع الفكر القومي الإسرائيلي. فحكومة حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) المتطرف، ترى في "إسرائيل" نموذجًا للدولة العرقية الصلبة التي تُقصي الأقليات وتستخدم الأمن لتبرير القمع. ومن هنا، يصبح السلاح الإسرائيلي أكثر من مجرد منتج دفاعي؛ إنه رمز سياسي لتحالف عقائدي بين قوميتين متطرفتين تتبنيان منطق القوة والهيمنة.

هذا التقاطع الفكري يفسر إصرار نيودلهي على المضي في الصفقات رغم الانتقادات الدولية، بل وتحويلها إلى عنصر فخر وطني ضمن برنامج “Make in India”. لكن الحقيقة أن ما يُصنع في الهند الآن ليس استقلالًا صناعيًا، بل تبعية أمنية تجرّ البلاد نحو محور عنيف ومتورط في جرائم ضد الإنسانية.

استنزاف إقليمي وتواطؤ دولي

وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، أصبحت الهند الوجهة الأولى لصادرات السلاح الإسرائيلية بنسبة 34% بين 2020 و2024، ما يعني أن تل أبيب وجدت في السوق الهندي ملاذًا سياسيًا واقتصاديًا لتعويض أي خسائر محتملة في الغرب. كما أن الهند، عبر تسهيل مرور السفن الإسرائيلية في موانئها أثناء الحرب، ساهمت فعليًا في دعم الإمدادات اللوجستية لحرب الإبادة في غزة.

هذا الانخراط يهدد بتحويل جنوب آسيا إلى ساحة اختبار للأسلحة الإسرائيلية، ويمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا من دولة تمثل أكثر من سدس سكان العالم. وبذلك لا يقتصر خطر الصفقات على الشرق الأوسط، بل يمتد إلى النظام الدولي نفسه الذي يراقب بصمت توسيع شبكة التحالفات العسكرية حول كيان يحتل أرضًا ويقتل شعبًا بلا عقاب.

إرث العار

حين يُذكر تاريخ هذه المرحلة، ستُسجّل الهند كدولة اختارت الربح على المبادئ، وتماهت مع قاتل شعوب تحت ذريعة التنمية. لم تكن هذه الصفقات سوى صفقة ضمير، باعت فيها نيودلهي ما تبقى من ادعاءاتها عن “السلام” و”عدم الانحياز”. فالهند التي طالما تباهت بمناصرة حركات التحرر، باتت اليوم تموّل من يقمعها.

والأسوأ أن هذه الشراكة لا تتوقف عند حدود التصنيع العسكري، بل تمتد إلى تشكيل سردية سياسية جديدة تشرّع استخدام القوة ضد الأقليات، وتعيد إنتاج الاحتلال بمنطق آخر. هكذا تتحول "الهند الصاعدة" إلى واجهة اقتصادية لمشروع استعماري، وتتحول مصانعها إلى خطوط إنتاج للقتل، تصب نيرانها في غزة، وتلوث سمعتها في التاريخ.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال