ذكرت القناة 12 العبرية، نقلًا عن مسؤول رفيع في جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن ما وصفهم بـ"مسلحين" ما زالوا يتحصنون في أنفاق ومواقع تحت الأرض داخل مناطق يقول الجيش إنه يسيطر عليها في قطاع غزة. هذا الاعتراف المفاجئ يُلقي بظلال من الشك على مزاعم الاحتلال بإحكام قبضته العسكرية الكاملة على القطاع بعد شهور من الهجمات البرية العنيفة.
وقال المصدر العسكري إن قوات الاحتلال تواصل تنفيذ ما أسماه "عملية تطهير شاملة ومنهجية" لتلك المناطق، بهدف القضاء على أي نشاط مسلح أو بؤر مقاومة محتملة. ويُفهم من التصريحات أن الجيش يواجه صعوبات ميدانية حقيقية في فرض سيطرته، خاصة في المناطق الجنوبية حيث لا تزال حركة حماس تحتفظ ببنية تحتية قتالية تحت الأرض يصعب رصدها أو تدميرها كليًا.
لماذا يهم الأمر؟
يُعدّ هذا التصريح اعترافًا ضمنيًا من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن الواقع الميداني في غزة أكثر تعقيدًا مما تروّجه البيانات الرسمية، وأن المقاومة الفلسطينية ما زالت قادرة على البقاء والمناورة حتى داخل ما يُسمّى بـ"المناطق الآمنة" التي أعلن الاحتلال السيطرة عليها.
كما يكشف الحديث عن "تطهير شامل" عن استمرار العمليات العسكرية الفعلية رغم إعلان وقف إطلاق النار، ما يُضعف الثقة بالاتفاق الهشّ ويُظهر تناقضًا في السلوك الإسرائيلي بين الالتزام السياسي والواقع الميداني.
ما وراء الكواليس
في الوقت نفسه، أصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا رسميًا دعا فيه حركة حماس إلى "الالتزام الكامل باتفاق وقف إطلاق النار"، وبذل أقصى الجهود الممكنة لإعادة جثامين الأسرى الإسرائيليين.
البيان جاء بصيغة توحي بأن الاحتلال يحاول تحميل حماس مسؤولية استمرار التوتر، رغم أن الهجمات الجوية والمدفعية الإسرائيلية لم تتوقف بشكل كامل خلال الأيام الأخيرة.
وتشير هذه الدعوة إلى أن إسرائيل تسعى لتثبيت روايتها أمام الرأي العام الدولي بأنها ملتزمة بالتهدئة، بينما تواصل عمليًا عملياتها الميدانية تحت مبرر "تطهير الأنفاق".
نظرة أوسع
يرى مراقبون أن حديث الاحتلال عن "تحصن مسلحين" تحت الأرض في المناطق الخاضعة لسيطرته يُظهر عمق المأزق العسكري والاستخباري الذي تواجهه تل أبيب بعد عام كامل من الحرب على غزة. فوجود مقاتلين في تلك المناطق يعني أن الجيش لم يتمكن من تحقيق هدفه الأساسي بإزالة القدرات القتالية للمقاومة، رغم حجم الدمار الهائل الذي خلّفه في القطاع.
كما يُعتقد أن هذا التصريح جزء من محاولة إسرائيلية لتبرير استمرار العمليات العسكرية أو التمهيد لموجة تصعيد جديدة، تحت ذريعة "استكمال القضاء على المسلحين" — وهي الذريعة ذاتها التي استخدمها نتنياهو مرارًا لتمديد العمليات البرية وتجنب الضغوط الأمريكية الداعية إلى إنهاء الحرب.
الواقع
بينما تُصرّ إسرائيل على وصف المقاومين الفلسطينيين بأنهم "جيوب محدودة"، تبدو الوقائع الميدانية مختلفة تمامًا: الأنفاق لا تزال فاعلة، والمقاومة ما زالت متماسكة، واتفاق وقف إطلاق النار لا يزال هشًا يتأرجح بين التنفيذ والانهيار.
ومع استمرار الاحتلال في مطالبة حماس بإعادة جثامين الإسرائيليين، يبدو أن تل أبيب تحاول تغليف إخفاقها العسكري بخطاب سياسي ودبلوماسي، لكن الواقع في غزة يُذكّرها في كل مرة بأن السيطرة المعلنة شيء، والسيطرة الفعلية على الأرض شيء آخر تمامًا.










