قالت الكاتبة الإسرائيلية مايا مارك إنّ نفتالي بينيت ليس "المخلّص" الذي ينتظره المعسكر الليبرالي في إسرائيل، بل هو في الحقيقة امتداد لمشكلة اليمين لا نقيضها. فبينيت، الذي يروّج لنفسه باعتباره المنقذ القادر على إسقاط بنيامين نتنياهو، إنما يسوّق وهماً سياسياً يقوم على خلط متعمّد بين الخلاص من نتنياهو وبين استبداله بوجه يميني آخر يحمل الأيديولوجيا نفسها وإنْ بأدواتٍ مختلفة.
وأضافت مارك، في مقال بصحيفة "هآرتس"، أنّ ما يسمّيه نفتالي بينيت "نظريته السياسية" يقوم على فكرة أن المواجهة المباشرة بينه وبين نتنياهو وحدها كفيلة بإسقاط الأخير، وهي الفرضية التي يروّجها حالياً إلى الأحزاب والمستشارين والمنظمات والمتبرعين الليبراليين، الذين انساقوا وراءها بوعي كامل، ودفعوا عملياً مئات الآلاف من العلمانيين الليبراليين إلى تحويل دعمهم من أحزاب تعبّر عن رؤيتهم وقيمهم إلى زعيم المستوطنين السابق، ورمز اليمين الديني وشريك المتطرف بتسلئيل سموتريتش في الانقلاب القضائي.
نفتالي بينيت وخدعة "المنقذ الليبرالي"
تؤكد الكاتبة أن ما حدث في الأسابيع الأخيرة هو نجاح مذهل لحملة علاقات عامة جعلت من بينيت، الرجل الذي دعم مشاريع الضمّ وحوّل الدولة إلى كيان ديني شبه ثيوقراطي، يبدو وكأنه خيار "الليبراليين الواقعيين" لإنقاذ إسرائيل من نتنياهو. وتضيف أن نفتالي بينيت يخطط لضمّ الجنرال غادي آيزنكوت إلى قائمته الانتخابية، في إطار تصوّره أنّ هذه الخطوة ستجلب له المقاعد الكافية لتشكيل ائتلاف تغيير بـ61 مقعداً، غير أنّ هذا الرهان –كما تقول مارك– يفتقر لأي أساس واقعي أو إحصائي، لأن جميع الاستطلاعات التي جرت خلال العام الماضي أظهرت أن جمهور اليمين الذي يكره نتنياهو لا يفضّل بينيت، وأن الأصوات التي يحصل عليها الأخير تأتي في الغالب من القاعدة الليبرالية التي تخشى عودة نتنياهو.
وترى الكاتبة أنّ صعود بينيت في الاستطلاعات ليس دليلاً على قوّته في اليمين، بل على ضعف المعسكر الليبرالي الذي منحه دعماً مؤقتاً بحكم "الضبابية" التي تحيط بمواقفه الحقيقية. فهو لم يقدّم حتى الآن أي برنامج انتخابي، ولا يجري مقابلات كاشفة، ولا يعبّر عن مواقف واضحة في القضايا الجوهرية. وعندما يحين الوقت الذي يُجبر فيه على إعلان رؤيته، ستنقلب الصورة، وسيفقد الدعم الذي بُني على الأوهام، لكن حينها سيكون الوقت قد فات لإنقاذ المعسكر الليبرالي من فخّ جديد صنعه بنفسه.
فخّ اليمين المقنّع
تقول مارك إن جوهر الخطأ في تصوّر نفتالي بينيت هو اعتقاده أن جذب بضعة مقاعد من ناخبي اليمين كفيل بتغيير الخريطة السياسية. لكن الحقيقة، كما توضح، أنّه لا يمكن إقامة حكومة تغيير عبر تدمير قاعدة القوة الليبرالية، لأن ذلك سيُبقي أي ائتلاف مستقبلي تحت رحمة الليكود أو الأحزاب الدينية والحريدية، أي القوى نفسها التي حكمت إسرائيل في عهد نتنياهو. وهكذا، فبينيت لا يصنع "تغييراً" بل يستنسخ التركيبة ذاتها تحت واجهة جديدة.
وتضيف أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في الانتخابات المقبلة هو أن يقود المعسكر الليبرالي، بأصواته وطاقته الاحتجاجية، إلى إنشاء أول ائتلاف ديني-يميني في تاريخه، برئاسة بينيت نفسه. ذلك أنّ حملة "بينيت المنقذ" تحوّلت إلى واحدة من أخطر الحملات السياسية في إسرائيل، لأنها تبيع الخوف على شكل أمل، وتستخدم كراهية نتنياهو لتسويق نسخة أكثر تهذيباً منه، لكنها لا تقل خطراً في توجهاتها.
مأزق المعسكر الليبرالي
تلفت مارك إلى أن هذه الموجة من الاندفاع وراء نفتالي بينيت تمثل رهاناً متهوراً من المعسكر الليبرالي، الذي يغامر بكل ما يملك على مشروع غير مضمون. فبدلاً من بناء بديل حكومي حقيقي على أساس تحالف ديمقراطي واسع قادر على مواجهة ائتلاف اليمين الديني، يكرّس هذا المعسكر طاقته في تعزيز مرشح من داخل اليمين ذاته. وترى الكاتبة أنّ الطريق الواقعي للنصر ليس في الرهان على "المنقذ"، بل في بناء كتلة سياسية ليبرالية واسعة توحّد الأحزاب المدنية وتستند إلى تقسيم المجتمع الأيديولوجي لا إلى محاولات إنكاره.
وتشير إلى أنّ نفتالي بينيت، لو كان صادقاً في حديثه عن المصلحة الوطنية، لكان توجّه فعلاً نحو اليمين المعتدل وطرح رؤيته الحقيقية، ليشكّل جسراً نحو ائتلاف تغيير ليبرالي، لكن ما يفعله الآن هو العكس تماماً: يسحب الأصوات من الليبراليين لصالح معسكره القديم، ويمنح نتنياهو وأحزابه الدينية قبلة الحياة من جديد.
الفرصة الضائعة
تختم الكاتبة بأنّ غادي آيزنكوت، الذي يسعى نفتالي بينيت إلى ضمّه، قد يكون مفتاح الحلّ الحقيقي لو قرّر أن يسلك طريقاً مختلفاً. فالمعطيات تشير إلى أنّ إنشاء حزب ديمقراطي-ليبرالي واسع برئاسة آيزنكوت، يضم "يوجد مستقبل" والديمقراطيين وشخصيات من الاحتجاج والمجتمع المدني، قادر فعلاً على أن يصبح الحزب الأكبر في الكنيست وأن يشكل البديل الواقعي لحزب الليكود. مثل هذا الحزب –كما تقول مارك– يمكن أن يعيد التوازن إلى السياسة الإسرائيلية، ويضمن تمثيلاً فعلياً للجمهور الليبرالي في الحكومة المقبلة، ويضع جدول أعمال وطني جديد يعيد تعريف هوية إسرائيل.
لكن استمرار المراهنة على نفتالي بينيت يعني ببساطة غلق الباب أمام هذه الإمكانية. فبينيت، بحسب الكاتبة، ليس الحلّ بل المشكلة، لأنه يسرق أصوات التغيير ليعيدها إلى النظام ذاته الذي يقف خلف كل أزمات إسرائيل الراهنة.







