4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

لماذا يُعد المتحف المصري الكبير أعظم مشروع ثقافي بالقرن الحادي والعشرين؟

من عمق التاريخ إلى أفق التكنولوجيا

بقلم: 180 تحقيقات
١ نوفمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
bab5967f-cdf5-4dc2-8407-12a8451bc69b.jpeg

bab5967f-cdf5-4dc2-8407-12a8451bc69b.jpeg

في تصريح خاص لموقع 180 تحقيقات، أكد الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، أن افتتاح المتحف المصري الكبير (GEM) يمثل حدثًا استثنائيًا في تاريخ الثقافة العالمية، تتقاطع فيه الأبعاد الحضارية والثقافية والاقتصادية والسياسية لتُبرز صورة مصر كقوة ناعمة عالمية تمتلك الإرث والمستقبل في آنٍ واحد.

 الدلالات الحضارية والثقافية – “الهرم الرابع” ورسالة الخلود

يشير الدكتور الدليمي إلى أن افتتاح المتحف المصري الكبير يحمل دلالات حضارية وثقافية عميقة، إذ يُعد أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، ما يجعله بمثابة “الهرم الرابع” أو سفير الحضارة المصرية إلى العالم.

فالمتحف لا يقتصر على عرض الآثار، بل يقدم سردًا متكاملاً للتاريخ المصري منذ عصور ما قبل الأسرات حتى العصرين اليوناني والروماني، من خلال عرضٍ متسلسل وموثق يعتمد أحدث الأساليب الرقمية والتفاعلية في العرض المتحفي.

ويُعد عرض كنوز الملك توت عنخ آمون بالكامل للمرة الأولى منذ اكتشافها عام 1922 أحد أبرز ملامح الافتتاح، إذ سيحظى الزوار بتجربة فريدة تجمع بين جمال الفن الفرعوني وقيمة الاكتشاف الأثري الأهم في القرن العشرين.

كما يُبرز المتحف تطور التقنيات المستخدمة في الحفظ والترميم، عبر مختبرات عالمية المستوى تعتمد أساليب رقمية وبيئية متقدمة لصون أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمثل ذاكرة مصر الحضارية على مدار سبعة آلاف عام.

ويضيف الدليمي أن اختيار شهر نوفمبر للافتتاح ليس محض صدفة، بل يحمل رمزية خاصة لأنه يتزامن مع الذكرى الـ103 لاكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، وهي رسالة مفادها أن مصر تواصل كتابة التاريخ وتُعيد تقديم حضارتها في ثوبٍ عصري للعالم.

البعد الاقتصادي والسياحي – “التراث بوابة الاستثمار”

يؤكد الدكتور الدليمي أن المتحف المصري الكبير يمثل مشروعًا قوميًا ذا بُعد اقتصادي وسياحي ضخم، ينسجم مع رؤية الدولة في تحويل التراث إلى مصدر قوة اقتصادية مستدامة.

فمن المتوقع أن يُسهم افتتاح المتحف في تحفيز النمو السياحي بشكل غير مسبوق، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد الزوار قد يتجاوز 8 إلى 10 ملايين سائح سنويًا خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما ينعكس على زيادة الإيرادات السياحية وتنشيط القطاعات المساندة مثل الفنادق، النقل، والمطاعم.

ويُضيف أن موقع المتحف المميز على هضبة الجيزة، على مقربة من الأهرامات ومتحف الحضارة، يخلق ما يُعرف بـ”المثلث السياحي الذهبي”، وهو نموذج جديد للسياحة المتكاملة يجمع بين التراث والثقافة والتسوق والخدمات الحديثة.

كما يشكل المتحف رافعة استثمارية ضخمة، إذ فتح المجال أمام مشاريع التطوير العمراني في محيطه، بما في ذلك المراكز التجارية والفنادق والطرق الجديدة، وهو ما يسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف المصريين.

ويشير الخبير الإعلامي إلى أن هذا المشروع يعكس فكرًا اقتصاديًا حديثًا يقوم على “دمج الهوية الوطنية بالاقتصاد الثقافي”، أي تحويل الرموز التاريخية إلى أدوات إنتاج وتنمية، وهو ما نجحت فيه مصر بامتياز.

البعد السياسي والرمزي – “قوة الإرادة وصناعة الصورة الوطنية”

يرى الدكتور عبدالرزاق الدليمي أن افتتاح المتحف المصري الكبير يتجاوز كونه حدثًا ثقافيًا أو سياحيًا، ليحمل رسائل سياسية ورمزية قوية تعكس قدرة الدولة المصرية الحديثة على الإنجاز والتحدي والاستمرار في البناء رغم الصعوبات.

فالمتحف، الذي استغرق بناؤه أكثر من عقدين من الزمن وتجاوزت تكلفته مليار دولار، يمثل شهادة على إرادة الدولة المصرية في تنفيذ المشاريع العملاقة التي تعزز حضورها الإقليمي والعالمي.

كما يُبرز المتحف نجاح الدبلوماسية الثقافية المصرية في بناء شراكات دولية مؤثرة، حيث شاركت في تمويله وتنفيذه جهات دولية كبرى، أبرزها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، مما يجعله رمزًا للتعاون الثقافي الدولي ورسالة واضحة بأن الحضارة يمكن أن تكون جسرًا للتفاهم بين الشعوب.

ويضيف الدليمي أن الخطاب الرسمي المصري خلال الافتتاح حمل دلالات رمزية قوية، إذ ربط بين الماضي والمستقبل، مؤكداً أن مصر لا تكتفي بصون تراثها بل تبني عليه مستقبلها، لتصبح الحضارة أداة من أدوات التنمية والدبلوماسية الناعمة في القرن الحادي والعشرين.

رؤية مصر للمستقبل: من حماية التراث إلى توظيفه

يشير الدكتور الدليمي إلى أن مشروع المتحف المصري الكبير يُجسد فلسفة مصر الجديدة القائمة على الانتقال من مرحلة حفظ التاريخ إلى مرحلة توظيفه في بناء المستقبل.
فالمتحف ليس مجرد صرح أثري، بل مركز عالمي للبحث والتعليم والتبادل الثقافي، حيث يُخطط لتدشين برامج أكاديمية بالتعاون مع جامعات دولية ومؤسسات بحثية متخصصة في علوم الآثار والترميم.

كما يُتوقع أن يُصبح المتحف منصة رئيسية لاستضافة المؤتمرات والمعارض العالمية، ما يعزز موقع القاهرة كمركز دولي للثقافة والتراث.

المتحف بوابة مصر إلى العالم

يختتم الدكتور عبدالرزاق الدليمي تصريحه لموقع 180 تحقيقات بالتأكيد على أن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد إنجاز معماري أو أثري، بل هو تحوّل استراتيجي في هوية الدولة المصرية الحديثة، التي تقدم نفسها للعالم كقوة ثقافية وحضارية واقتصادية.

ويقول: “المتحف المصري الكبير ليس نهاية لمشروع، بل بداية لمرحلة جديدة من وعي الأمة المصرية بذاتها وبمكانتها بين الأمم. إنه مرآةٌ تُظهر للعالم أن الحضارة المصرية القديمة لا تزال حيّة في فكر وإرادة المصريين اليوم.”

180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال