قال الكاتب الإسرائيلي يونتان ليس إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يواجه الآن المهمة التي تهرّب منها عامين كاملين: تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر. فبعد انتهاء الحرب عمليًا بضغوط أمريكية، لم يعد لدى نتنياهو ما يبرر تأجيل المساءلة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، وتزايد ضغوط المعارضة والرأي العام لإخضاع القيادة السياسية والعسكرية للفحص والمحاسبة.
وأضاف ليس أن الذريعة المركزية التي استخدمها نتنياهو لتأجيل اللجنة — وهي استمرار الحرب — سقطت الآن. ولذلك، أصبح لزامًا عليه أن يتعامل مع السؤال الذي حاول تفاديه: من سيُشكّل اللجنة وبأي صلاحيات؟ فالمحكمة العليا الإسرائيلية لن تسمح بلجنة يسيطر عليها الائتلاف الحاكم. وفي الوقت نفسه، يخشى نتنياهو أن تتولى الحكومة المقبلة تشكيل لجنة مستقلة بالكامل، ما سيجرده من أي تأثير على تركيبتها أو نطاق سلطاتها.
هروب من المحاسبة
وأوضح الكاتب، في مقاله المنشور بموقع "هآرتس"، أن نتنياهو منع تشكيل لجنة التحقيق لأسباب واضحة تتعلق بمصلحته الشخصية والسياسية. أول هذه الأسباب هو كسب الوقت لتحسين صورته وتفادي الانشغال المباشر بإخفاقاته في 7 أكتوبر، أما السبب الثاني فهو محاولته التأثير على تشكيل اللجنة وصلاحياتها لتقليص خطر توجيه اتهامات شخصية له. وقد ادعى أن أي لجنة يجب أن تحظى بـ"ثقة الجمهور الواسعة"، رغم أن استطلاعات الرأي تؤكد أن معظم الإسرائيليين يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة.
الخوف الحقيقي في محيط نتنياهو، كما يقول ليس، هو من احتمال أن يتولى رئيس المحكمة العليا إسحق عاميت اختيار أعضاء اللجنة، وهو ما سيجعلها أكثر استقلالية. لذلك، يحاول نتنياهو وحزبه "الليكود" الالتفاف على هذا الاحتمال عبر مبادرات بديلة — منها تشكيل لجنة حكومية يعيّن أعضاؤها الوزراء أنفسهم، أو لجنة "هجينة" تبدو رسمية شكلاً لكنها تخضع عمليًا للمستوى السياسي.
هندسة لجنة على المقاس
يشير الكاتب إلى أن عضو الكنيست أريئيل كلنر من حزب الليكود، تقدّم مؤخرًا بمقترح لتشكيل ما سماه "لجنة تحقيق رسمية مساواتية". لكنها في الواقع لجنة مصممة لإرضاء الحكومة الحالية؛ إذ تمنح صلاحيات اللجنة الرسمية، لكنها تتيح للائتلاف والمعارضة تعيين الأعضاء بالتساوي، بحيث يحتفظ نتنياهو بنفوذ فعلي على مسار التحقيق.
ويُفصّل ليس في الخطة قائلاً إنها تنص على أن تضم اللجنة ستة أعضاء أساسيين، ثلاثة من الائتلاف وثلاثة من المعارضة، إضافة إلى اثنين من القضاة المحتملين واثنين من كبار المسؤولين الأمنيين المتقاعدين، مع تمثيل رمزي للعائلات الثكلى. غير أن المعارضة ترى أن هذا النموذج يُفرّغ فكرة "التحقيق المستقل" من مضمونها، ويحوّل اللجنة إلى أداة سياسية لإغلاق الملف لا لفتحه.
نتنياهو والمراوغة الدائمة
يرى الكاتب أن نتنياهو يتقن فنّ المماطلة والمراوغة في مواجهة المساءلة، فقد أظهر ذلك منذ الأيام الأولى بعد 7 أكتوبر عندما تهرّب من استخدام كلمة "مسؤولية"، وألقى باللوم على الأجهزة الأمنية. ففي المؤتمر الصحفي الأول بعد الهجوم، تحدث عن "فشل فظيع سيُفحص حتى النهاية"، لكنه عاد لاحقًا ليهاجم رؤساء "الشاباك" و"أمان"، مدّعيًا أنهم لم يقدّموا له أي تحذيرات مسبقة.
كما يصف الكاتب علاقة نتنياهو بالإعلام بأنها علاقة احتقار وتجنّب، إذ قلّل من عقد المؤتمرات الصحفية طوال الحرب، ولم يسمح للصحفيين بطرح الأسئلة عليه. وحتى عندما سُئل عن لجنة التحقيق، رفض الأمر قائلاً إن الوقت غير مناسب، متذرعًا بضرورة تركيز الجيش على "الانتصار". لكن هذا الموقف، وفق الكاتب، يتناقض مع ما فعله الجيش نفسه حين باشر تحقيقاته الداخلية رغم استمرار العمليات العسكرية.
صراع على الثقة
يبرز في المقال أن نتنياهو استخدم ذريعة "ثقة الشعب" لتبرير رفضه للجنة التي تختارها المحكمة العليا، مدعيًا أن أي لجنة يعيّنها القضاة ستكون منحازة مسبقًا. ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن محاولات رئيس الدولة إسحق هرتسوغ لإقناعه بخطة وسطية — تقوم على تشكيل لجنة موسعة بالتشاور بين القضاة المحافظين والليبراليين — قوبلت بالرفض داخل محيط نتنياهو، الذي يصر على بقاء القرار في يده وحده.
بل إن الحكومة، تحت ضغط المحكمة العليا، أعلنت في مايو الماضي موافقتها المبدئية على تشكيل لجنة تحقيق "في الوقت المناسب"، لكنها أضافت أن "الظروف لم تنضج بعد". وهو ما يراه الكاتب دليلاً على التسويف المتعمد لكسب المزيد من الوقت حتى تمر الانتخابات، وربما تُطوى صفحة 7 أكتوبر دون مساءلة حقيقية.
المماطلة كاستراتيجية
في ختام عرضه، يلفت يونتان ليس إلى أن نتنياهو يستغل العملية التشريعية نفسها كوسيلة للتأجيل. فمشاريع القوانين المتعلقة باللجنة لم تُطرح على طاولة الكنيست رغم مرور عام على إعدادها، فيما تُقدّم المعارضة مبادرات جديدة تُجهض فورًا داخل اللجان الوزارية. ومع أن المعارضة تطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية تفحص جذور الإخفاق العسكري والأمني، إلا أن الطريق إلى ذلك يبدو مسدودًا ما دام نتنياهو يمسك بمفاتيح القرار.
فالكاتب يخلص إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يعيش هاجس المحاسبة أكثر مما يعيش هاجس الأمن أو السياسة. ولذلك يركّز جهده على تأجيل الحقيقة إلى ما بعد الانتخابات، على أمل أن ينجح في إعادة صياغة التاريخ قبل أن تُعرض عليه الأسئلة التي يخشاها أكثر من أي شيء آخر: من المسؤول؟ ومن سيدفع الثمن؟










