عندما ينقلب الليل نهارًا، يمكن حتى لمثل المدعية العسكرية أن تتحول إلى "قديسة معذبة"، كما يتهكم الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في مقاله المنشور في صحيفة هآرتس. فالمرأة التي كرّست حياتها لحماية جيش الاحتلال وتبرير جرائمه، تُقدَّم فجأة على أنها ضحية لليمين الإسرائيلي المتوحش.
إنها يفعات تومر يروشالمي، التي دافعت عن جرائم الجيش الإسرائيلي طوال حياتها، إلى أن اصطدمت بالواقع الوحشي لمنظومتها فتمت إقالتها من منصبها.
يرى ليفي أن القصة تختصر جوهر المؤسسة الإسرائيلية التي "تأكل أبناءها"، فحتى من يخدمها بإخلاص يصبح عدوًا بمجرد أن يتخذ خطوة واحدة نحو الحقيقة. فـ"الوحش الذي لا يشبع"، على حد وصفه، لا يمكن إرضاؤه: عليك أن تدافع عن الإبادة، وتغطي على الجرائم، وتشرعن القتل، وتخفي التحقيقات، وتنافق قادتك؛ ومع ذلك، ستجد نفسك مطرودًا في النهاية من المنصب الذي سعيتِ للحفاظ عليه.
محاكم الأبارتهايد العسكرية
يجادل ليفي بأن المدعية العسكرية يفعات تومر يروشالمي لم تكن في يوم من الأيام حامية للعدالة، بل كانت أداة مركزية في منظومة قضائية وُجدت لإضفاء شرعية قانونية على الاحتلال. فقد أمضت سنوات طويلة في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، مدعيةً وقاضيةً، حيث أرسلت آلاف الفلسطينيين إلى السجون من دون محاكمات حقيقية، بينما منعت فتح آلاف التحقيقات بحق الجنود الذين ارتكبوا جرائم قتل وتعذيب في الضفة الغربية وقطاع غزة.
يقول الكاتب إن أي جريمة ارتكبها جندي ضد طفل فلسطيني، أو أي عملية تنكيل وتدمير، كانت تجد دعمها الكامل من مكتب المدعية العسكرية العامة، ومن المنظومة التي ترأسها. في هذه المحاكم، لا يوجد متهم يُبرَّأ، لأن مجرد كونك فلسطينيًا يكفي لإدانتك، وهي في جوهرها محاكم للأبارتهايد، زينة قانونية رخيصة تغطي واقعًا دمويًا. بهذه الطريقة، صعدت يروشالمي في سلم المناصب، لتصبح المدعية العسكرية العامة التي تضفي الشرعية على جرائم الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك المجازر التي ارتُكبت في غزة والضفة.
المدعية العسكرية والشرعنة الكاملة للإبادة
يؤكد ليفي أن المدعية العسكرية يروشالمي كانت، طوال فترة خدمتها، المدعية العامة للإبادة الجماعية، وأن التاريخ سيسجل اسمها ضمن المسؤولين الذين قدموا الغطاء القانوني لجرائم الحرب. لكن المفارقة أن المنظومة التي كافأتها على هذا الدور لعقود، هي نفسها التي أطاحتها في النهاية. تمت إقالتها لأسباب "خاطئة تمامًا"، كما يقول الكاتب، لأنها سمحت بتسريب شريط مصور يُظهر مشاهد تعذيب بشعة نفذها جنود الاحتلال بحق معتقل فلسطيني عاجز.
في هذا الشريط، الذي تسبب بصدمة مؤقتة في الرأي العام الإسرائيلي، يظهر خمسة سجّانين عسكريين وهم يطعنون المعتقل في شرجه، ويمزقون جسده، ويكسرون أضلاعه، ويثقبون رئته. كانت تلك لحظة نادرة من "الحقيقة المكشوفة"، لحظة تجرأت فيها المدعية العامة على النظر في المرآة، لتكتشف فجأة ما حاولت طوال حياتها إنكاره: أن جيشها غارق في الوحشية الممنهجة.
الصدمة المتأخرة
بحسب ليفي، لم تكن الصدمة نابعة من حادثة فردية، بل من الإدراك المتأخر بأن ما جرى في سجن سديه تيمان يحدث بشكل روتيني. فقبل هذا الفيديو، مات عشرات المعتقلين الفلسطينيين في السجون العسكرية، بعضهم على أيدي جنود الاحتلال مباشرة. ومع ذلك، لم تفعل يروشالمي شيئًا حيال ذلك.
تساءل الكاتب بسخرية: أين كانت عندما قُتل الطفل الفلسطيني ابن التسعة أعوام في قرية الريحية قبل أسابيع على يد جندي أطلق النار بدم بارد؟ الجواب معروف، يقول ليفي: الملف نُقل إلى النيابة العسكرية "لفحصه"، وهذا الفحص سينتهي بعد سنوات من دون أن يُحاسَب أحد، لأن الجندي ما زال يتجول بحرية.
الضحايا المزيفون والجلاد الحقيقي
يتابع ليفي بأسلوبه اللاذع أن الجنود الخمسة المتهمين بالتعذيب في سديه تيمان تحولوا فجأة إلى "ضحايا"، بينما أصبحت المدعية العسكرية هي الجانية. فوسائل الإعلام والسياسيون في إسرائيل، من وزير الخارجية يسرائيل كاتس إلى الإعلاميين "المعتدلين"، أجمعوا على أن تسريب الفيديو كان "عملاً خطيرًا".
أما العفو عن الجنود فهو في الطريق. يقول ليفي بمرارة إن الوحش الحقيقي ليس الجنود الذين عذبوا، بل المنظومة التي صنعتهم ودافعت عنهم، والمدعية التي أطعمت هذا الوحش لسنوات، ثم التهمها عندما توقفت عن إطعامه.
النهاية التي تستحقها
يختم ليفي مقاله بتأمل ساخر في مصير المدعية العسكرية العامة التي خدمت الظلم حتى صارت جزءًا منه. لقد أكلت، كما يقول، "السمك الفاسد"، ثم طُردت من المدينة أيضًا. فالمنظومة التي شرعنت القتل باسم القانون لا تكافئ الصمت إلا بمزيد من الإهانة.
ويبدو أن يفعات تومر يروشالمي اكتشفت متأخرةً أن من يخدم جيش الإجرام الإسرائيلي بخضوع أعمى لا يخرج منتصرًا، بل منبوذًا بلا كرامة. إنها، في نظر ليفي، لم تُطرد لأنها خانت القانون، بل لأنها تذكرت فجأة ما هو القانون.









