كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن المركز العسكري الأمريكي في كريات غات داخل إسرائيل، المعروف باسم CMCC، سيتولى من الآن فصاعدًا مسؤولية إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بدلاً من الجيش الإسرائيلي، في خطوة تؤكد توسّع السيطرة الأمريكية المباشرة على إدارة شؤون القطاع. ونقلت الصحيفة عن مصدر أمريكي رفيع قوله إن "مسؤولية الولايات المتحدة عن إدخال المساعدات إلى غزة قد اكتملت اليوم"، مضيفًا أن "الإسرائيليين جزء من المحادثات، لكن القرارات النهائية بيد واشنطن".
وأضافت المصادر أن هذه الخطوة تجعل إسرائيل "العامل الثاني" بعد الولايات المتحدة في اتخاذ القرارات المتعلقة بطبيعة وكمية المساعدات التي تدخل إلى غزة، في إشارة واضحة إلى تحوّل مركز الثقل في إدارة الملف الإنساني من تل أبيب إلى القيادة الأمريكية الميدانية.
مقر دولي في كريات غات
يضم المقر الأمريكي في كريات غات ممثلين من أكثر من 40 دولة ومنظمة مختلفة، ما يجعله مركزًا متعدد الأطراف لإدارة العمليات اللوجستية والإغاثية في القطاع. وصرّح المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، تيم هوكينز، بأن "اجتماع هذا العدد من الممثلين يتيح لنا التمييز بين المحاور الأساسية وفهم الاحتياجات الميدانية بدقة"، في إشارة إلى التنسيق الدولي الواسع تحت القيادة الأمريكية المباشرة.
لكن التقرير لفت أيضًا إلى أن المقر يعاني من بطء في عملية اتخاذ القرارات بسبب الحاجة إلى الحصول على موافقات من مقرات تلك الدول، مما يؤدي إلى تأخير تنفيذ الإجراءات. ونقلت الصحيفة عن أحد الموظفين قوله: "إلى جانب ذلك، لا أعتقد أن لديهم المال الكافي لفعل أي شيء حتى الآن"، فيما أشار آخر إلى أنه شاهد خلال زيارته للموقع "الكثير من الأشخاص يجلسون أمام أجهزة الكمبيوتر في حيرة من أمرهم".
خطة إعادة الإعمار
وأوضحت الصحيفة أن مسألة إعادة إعمار قطاع غزة أصبحت بدورها محل خلاف داخل الإدارة الأمريكية، إذ يدفع عدد من كبار مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه تنفيذ خطة عاجلة لإنشاء ما يصل إلى 16 "تجمعًا آمنًا" قرب الحدود الإسرائيلية القائمة مع غزة، كحل مؤقت لإيواء الفلسطينيين الذين تم فحصهم أمنيًا.
وبحسب ما ورد في التقرير، سيُسمح لهؤلاء الفلسطينيين بالعيش داخل تلك التجمعات وتلقي الحماية والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والرعاية الصحية، وربما لسنوات، إلى حين استكمال عملية "نزع سلاح حركة حماس" التي لن تكون جزءًا من الحكومة المستقبلية للقطاع.
أهداف سياسية خفية
ونقلت الصحيفة عن مصدر وصفته بـ"المطلع على تفكير الإدارة الأمريكية" أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومستشاره السياسي، الذي لعب دورًا رئيسيًا إلى جانب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في صفقة الرهائن واتفاق وقف إطلاق النار، يسعى إلى تحقيق "قدر من النجاح" في القطاع عبر إبراز نتائج ملموسة للسيطرة الإسرائيلية على بعض المناطق.
وأكد المصدر أن كوشنر يرى أن استمرار وجود حركة حماس في أجزاء أخرى من قطاع غزة يشكّل "عقبة أمام إعادة الإعمار والاستقرار"، وهو ما يعكس بوضوح التوجه الأمريكي لربط عملية إعادة الإعمار بنزع السلاح والسيطرة الأمنية، وليس بإطلاق عملية سياسية حقيقية تنهي الاحتلال.
غزة بين السيطرة والوصاية
تُظهر المعطيات التي كشفتها واشنطن بوست أن إدارة الرئيس ترامب تسعى لترسيخ نموذج جديد في غزة يقوم على "الوصاية الأمريكية المباشرة"، من خلال مركز قيادة دولي في كريات غات يشرف على المساعدات والملفات الأمنية، في حين يجري تهميش دور الفلسطينيين بشكل شبه كامل.
ويرى مراقبون أن هذه الترتيبات تمثل عمليًا نقلًا ممنهجًا لمسؤوليات الاحتلال الإسرائيلي إلى إدارة أمريكية ذات طابع أمني وإنساني في آنٍ واحد، ما يجعل من مشروع إعادة إعمار غزة جزءًا من خطة أكبر تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني وفق الرؤية الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة.










