تعيش الحكومة الإسرائيلية حالة من الانقسام الحاد حول مقترح السماح بخروج عناصر المقاومة الفلسطينية العالقين في أنفاق غزة بمناطق يسيطر عليها جيش الاحتلال، نحو مناطق انسحب منها مؤخرًا. فبحسب هيئة البث الإسرائيلية، يدور النقاش حول هذا الاحتمال بشرط أن تُعيد حركة حماس جميع جثث الجنود الإسرائيليين المحتجزين لديها.
ونقلت الهيئة عن مصدر داخل الحكومة أن التعهد الذي تم خلال المداولات يقضي بتدمير أنفاق غزة بعد مغادرة المقاومين الفلسطينيين، لكن ذلك لن يتم إلا بعد استلام تل أبيب كامل جثامين جنودها. ووفق المصدر ذاته، فإن إسرائيل “ستكون أكثر استعدادًا للقبول بهذه الخطوة" إذا أوفت حماس بكامل التزاماتها المتعلقة بالأسرى.
ضغوط أمريكية متواصلة
يأتي هذا الجدل في وقت تمارس فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا متزايدة على تل أبيب للموافقة على اقتراح الوسطاء الدوليين بمنح ممر آمن لعناصر المقاومة للخروج من غزة. وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الضغط الأمريكي لم يتوقف رغم الرفض الرسمي الإسرائيلي، في خطوة تُظهر رغبة واشنطن في دفع العملية الميدانية نحو تسوية سياسية تُنهي القتال وتفتح الباب لإعادة إعمار القطاع.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن البيت الأبيض يسعى إلى اختبار صيغة جديدة للتعامل مع ملف المقاتلين في رفح، بحيث يجري إخراجهم من أنفاق غزة دون قتال مقابل تعهد بعدم العودة إلى العمل المسلح، وهو ما تعتبره إسرائيل "تنازلاً مهينًا"، وفق تعبير أحد وزرائها المتشددين.
التزامات وتعقيدات ميدانية
تقول التقديرات الإسرائيلية إن حماس، بعد أن تعهدت في اتفاق وقف إطلاق النار بإعادة جميع أسرى الاحتلال، قد تفي بهذا الالتزام قريبًا، بما في ذلك ملف الضابط هدار غولدين الذي اختُطف عام 2014. وتضيف هيئة البث أن استكمال تسليم الجثث قد يدفع إسرائيل إلى تبني موقف أكثر مرونة تجاه السماح بخروج عناصر المقاومة.
إلا أن مصادر عسكرية إسرائيلية تصرّ على أن "أي خروج لعناصر حماس يجب أن يقابله تسليم كامل للأسلحة"، وهو شرط تعتبره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية جوهريًا لتثبيت "صورة النصر" أمام الجمهور، خاصة بعد سلسلة الإخفاقات العسكرية في رفح وخان يونس منذ أكتوبر 2023.
انقسام داخل القيادة العسكرية
كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن نحو 200 من عناصر حماس ما زالوا محاصرين داخل أنفاق غزة في ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي المنطقة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال جنوبي قطاع غزة. وأوضحت القناة أن رئيس الأركان الإسرائيلي يدفع باتجاه القضاء على جميع هؤلاء المقاتلين، رافضًا فكرة السماح لهم بالخروج حتى دون أسلحتهم، إلا في حال وجود "مقابل إنساني مباشر" مثل الإفراج عن مدنيين إسرائيليين.
وتعكس هذه المواقف عمق الخلاف بين القيادة العسكرية التي تميل إلى الحسم الميداني، وبين الدوائر السياسية التي تخشى من استمرار الاستنزاف في غزة. فالحكومة تواجه انتقادات داخلية لعدم وضوح رؤيتها بشأن اليوم التالي للحرب، في ظل تزايد الضغوط الأمريكية لإيجاد مخرج سياسي يحفظ ماء وجه إسرائيل بعد عام من القتال دون حسم.
رفض يميني واتهامات بالخيانة
على الجانب السياسي، تتصاعد أصوات اليمين الإسرائيلي الرافضة لأي صفقة قد تسمح بخروج مقاتلي حماس أحياء. فقد دعا وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش رئيس الحكومة إلى وقف ما وصفه بـ"القرار الجنوني"، بينما وصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت السماح بخروجهم بأنه "عفوٌ مُهين عن الإرهابيين"، معتبرًا أن ذلك يمثل "انهيارًا أخلاقيًا وفقدانًا للعقلانية السياسية".
وتحاول حكومة نتنياهو المناورة بين الضغوط الأمريكية والدوافع الانتخابية الداخلية، إذ يرى مراقبون أن تل أبيب تخشى من أن أي تنازل في غزة سيُستغل سياسيًا ضدها، خصوصًا في ظل حالة الانقسام الشعبي حول استمرار الحرب وتزايد الخسائر البشرية.
توازن هش بين واشنطن وتل أبيب
تُظهر التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة تمارس وصاية ميدانية متزايدة على إدارة الصراع في غزة، سواء عبر ملف المساعدات أو من خلال دفع إسرائيل نحو قرارات تتعلق بالميدان. ووفق مراقبين، فإن واشنطن تحاول هندسة خروج منظم للمقاومين لتثبيت الهدوء على الأرض وتهيئة الأجواء لمرحلة إعادة الإعمار، بينما ترى إسرائيل في ذلك مسًّا بهيبتها العسكرية وصورتها أمام الرأي العام الداخلي.
ويبدو أن المشهد يتجه نحو تفاهم غير معلن بين الطرفين، يتيح لواشنطن فرض مقاربتها الأمنية والإنسانية على حساب الموقف الإسرائيلي المتشدد، في ظل قناعة أمريكية متزايدة بأن استمرار التعنت الإسرائيلي قد يهدد كامل خطة "السلام الأمريكي" التي يروج لها ترامب منذ سبتمبر الماضي.










