قال الكاتب الإسرائيلي عيران ليرمان إن مشروع القرار الأمريكي الخاص بمرحلة "اليوم التالي" في غزة يواجه احتمالًا كبيرًا بعدم إقراره داخل مجلس الأمن، بسبب تحفظات محتملة من الصين وروسيا، إلا أن المسودة غير الرسمية تكشف بوضوح موقف الإدارة الأمريكية من القضايا الجوهرية.
ويرى الكاتب أن واشنطن وضعت في النص ملامح رئيسية تمنح إسرائيل نقاط قوة مهمة، وخصوصًا ما يتعلق بصلاحيات القوة الدولية المزمع تشكيلها لنزع سلاح القطاع، وبالتحديد التأكيد على أنها لن تعمل تحت سلطة الأمم المتحدة إلا عند التفويض الأول، إضافة إلى التنسيق المباشر مع إسرائيل ومصر، والتشديد على ألا تقع مساعدات الإعمار في أيدي المجموعات المسلحة، والالتزام بتنفيذ "النقاط العشرين" بالكامل، وهو ما تعتبره إسرائيل أمرًا حاسمًا في هذه المرحلة.
وأضاف ليرمان، في مقال نشره معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، أن مسودة مشروع القرار الأمريكي رغم ما تحمله من مكاسب لإسرائيل، تتضمن نقاط ضعف تستوجب التعديل، أو على الأقل صدور رسالة جانبية أمريكية توضح الالتزامات والشروحات المطلوبة. ووفقًا للكاتب، فإن أبرز هذه الثغرات غياب ذكر صريح لقضية "نزع التطرف" كمسألة مركزية، وتعريف آلية الحوكمة المدنية في خطة ترامب بصيغة غامضة تمنح اللجنة الفلسطينية غير السياسية مساحة واسعة قد تسمح بتمثيل غير مباشر لحركة "حماس".
ويضيف أن إسرائيل ليست عضوًا في مجلس إدارة السلام المقترح، بينما تمنح المسودة مكانة خاصة لموقف القمة العربية، إلى جانب الإشارة إلى السلطة الفلسطينية كصاحبة الولاية المستقبلية على غزة، وإن بشروط إصلاحات مطلوبة مسبقًا.
دوافع واشنطن
يشير الكاتب إلى أن إدارة ترامب تسعى لانتزاع مصادقة رسمية من الأمم المتحدة على "خطة النقاط العشرين"، دون التخلي عن السيطرة الأمريكية على آليات التنفيذ أو تركها لهيئات أممية. ويرى أن مشروع القرار يوضح أن التفويض الأممي سيقتصر على لحظة إنشاء تلك الأجسام فقط، بينما يُمنح بعضها صفة "الشخصية القانونية الدولية" التي تخوّلها التعاقد مع جهات متعددة لتنفيذ المهام المطلوبة. ويؤكد أن الأمم المتحدة لن تكون جهة إشراف على هذه المنظومة بعد بدء عملها، وأن تجديد ولايتها لن يُبحث قبل نهاية سنة 2027، وهو ما يعزز طابع الخطة بوصفها مشروعًا أمريكيًا مباشرًا، لا يشارك مجلس الأمن إلا في جزءه التأسيسي.
ويفصل ليرمان مستويات الخطة الأربعة كما وردت في وثيقة "النقاط العشرين": أولها "مجلس إدارة السلام"، المعني بإدارة الخطوات الشاملة لليوم التالي، والذي يُفترض — بحسب الصيغة الأصلية — أن يترأسه ترامب نفسه، وإن كانت المسودة الحالية لا تصرح بذلك. ويأتي بعده مستوى "سلطة الحوكمة الانتقالية"، وهي صيغة أكثر مرونة وغموضًا من التصور السابق لهيئة يرأسها توني بلير، ويبدو أنها نُعّمت لتجاوز التحفظات المصرية والإقليمية. ثم تأتي اللجنة الفلسطينية غير السياسية التي ستتولى إدارة الشؤون اليومية للقطاع، وهي لجنة دارت حولها نقاشات مع مصر وجهات أخرى، وستضم شخصيات محسوبة على "فتح" و"حماس". أما المستوى الرابع فهو قوة حفظ الاستقرار المتعددة الجنسيات التي ستعمل بالتنسيق مع إسرائيل ومصر لتحقيق أهداف نزع السلاح وإنفاذ القانون، مع الاستعانة بقوى شرطية محلية.
تفاصيل القوة الدولية
يتوقف الكاتب عند الدور المركزي لقوة حفظ الاستقرار، مؤكدًا أنها ستكون الأداة الفعلية لتنفيذ نزع السلاح وتفكيك البنى التحتية للفصائل المسلحة. ويلفت إلى أن التعاون الثلاثي بينها وبين إسرائيل ومصر يمنحها غطاءً سياسيًا وعسكريًا يختلف جذريًا عن نماذج أممية كـ"اليونيفيل"، التي فشلت — بحسب ليرمان — في فرض تطبيق فعلي للقرارات الدولية في لبنان. ويقارن هذه القوة الجديدة بقوة المراقبة متعددة الجنسيات في سيناء التي تعمل خارج الإطار الأممي المباشر، معتبراً أن الفارق الجوهري في التمويل — الذي سيأتي من تبرعات الدول عبر البنك الدولي لا من ميزانية الأمم المتحدة — يضع الخطة في إطار مستقل تمامًا عن البيروقراطية الأممية.
ويوضح الكاتب أن مسودة مشروع القرار الأمريكي تتناول بصورة مباشرة قضايا المساعدات الإنسانية والإعمار، محذرة من وصولها إلى جهات مسلحة غير مخولة، لكنها تمتنع عن تسمية التنظيمات المطلوب تفكيكها، كما لا تتطرق بشكل واضح إلى ملف التعليم إلا عبر إشارة عامة إلى "مهام إضافية". ويرى ليرمان أن هذا الغموض المقصود يحافظ على توازن سياسي يسمح بتمرير القرار، لكنه يترك ثغرات خطيرة يمكن أن تستغلها الأطراف المناوئة لإسرائيل في مرحلة التطبيق.
مكاسب لإسرائيل
يعتبر ليرمان أن مشروع القرار — سواء أُقر أم لم يُقر — يقدم لإسرائيل شرعية إضافية لتطبيق الخطة بصورتها الكاملة، ويتجاوز بذلك إعلان شرم الشيخ وخطة ترامب الأصلية. ويؤكد أن النص يمنح إسرائيل دعمًا دوليًا في قضايا نزع السلاح، وتفكيك البنى العسكرية والأنفاق، وتسليم الأسلحة، إلى جانب تثبيت مبدأ عدم خضوع منظومة السيطرة الجديدة في غزة لسلطة الأمم المتحدة إلا ضمن التفويض الأصلي. ويرى أن هذا النموذج يعيد إنتاج تجربة 1991 في بناء ائتلاف دولي خارج السيطرة الأممية المباشرة، وهو النموذج الذي تعتبره إسرائيل أكثر ملاءمة من التجارب الأممية التي قلما تفرض التزامات حقيقية على الأرض.
ويضيف أن التنسيق الإلزامي بين القوة الدولية من جهة، وإسرائيل ومصر من جهة أخرى، يمثل بندًا ذا أهمية خاصة، لأنه يمنح إسرائيل القدرة على التأثير العملي في العمليات اليومية للقوة، ويمنع تجاوز دورها الأمني. كما يرى أن وضع آلية التمويل خارج منظومة الأمم المتحدة يحرم الفصائل المسلحة من فرص الاستفادة من مسارات المساعدات، ويجعل السيطرة الأمريكية على العملية أكثر صرامة.
ثغرات المسودة
يركز ليرمان على نقاط ضعف يعتبرها بالغة الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل، وأولها غياب الحديث عن "نزع التطرف"، وهو ما يراه مسألة أساسية لضمان ألا تُعاد إنتاج الحالة الفكرية والتنظيمية التي أدت إلى الحرب. ويقول إن إدارة ترامب تبدو أقل اكتراثًا بالمسائل الأيديولوجية، وهو ما يجعل غياب بند نزع التطرف خللًا خطيرًا، خصوصًا في ظل عدم وجود آليات لإسرائيل تؤثر من خلالها في الأداء المدني للهيئات التي ستنشأ داخل القطاع.
ويشير الكاتب إلى أن اللجنة الفلسطينية التي ستتولى إدارة الشؤون اليومية ليست بالضرورة "غير سياسية" كما تدعي المسودة، وأن التعاون المصري في تشكيلها قد يتيح تمثيلًا فعليًا لمؤيدي "حماس"، حتى إذا استُبعدت شخصياتها المعروفة. ويرى أن الغموض في العلاقة بين سلطة الحوكمة الانتقالية واللجنة يمنح الأخيرة قدرة على الهيمنة العملية، ما يثير مخاوف إسرائيلية من إعادة إنتاج سلطة موازية تملك نفوذًا مدنيًا واسعًا داخل غزة.
غياب إسرائيلي
يؤكد ليرمان أن إسرائيل ليست عضوًا في مجلس إدارة السلام، رغم أنه الكيان الأعلى الذي سيشرف على كل خطوات اليوم التالي، وهو ما يعني أن تأثيرها سيبقى غير مباشر: إما عبر المسارات الميدانية والآليات العسكرية، وإما عبر مستويات سياسية أخرى. ويرى أن منح القمة العربية مكانة خاصة داخل المجلس يعزز النفوذ العربي على حساب الدور الإسرائيلي، في وقت تسعى فيه إسرائيل لعدم السماح لأي طرف بإعادة تشكيل غزة بشكل لا يتوافق مع مصالحها الأمنية.
ويتابع بأن النص يشير نظريًا إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة التي ستتولى الحكم في القطاع مستقبلًا، شرط تنفيذ إصلاحات تُرضي مجلس السلام، وهو ما يترك الباب مفتوحًا أمام عودة السلطة إلى غزة وفق معايير لا تملك إسرائيل السيطرة عليها بالكامل. ورغم أن "حل الدولتين" لا يُذكَر صراحةً، فإن الإحالة إلى قرارات الأمم المتحدة تمنح السلطة موقعًا سياسيًا قد يتوسع بمرور الوقت.
الحاجة إلى توضيحات
يرى الكاتب أن إسرائيل ستواجه تحديات كبيرة، خصوصًا على المدى الطويل، إذا لم تُحدد صياغة أكثر دقة للمسائل الغامضة، بما في ذلك علاقة اللجنة الفلسطينية بالهيئة الانتقالية، وإمكانية إسرائيل التصرف في حال حدوث خروقات خطيرة كإعادة التسلّح أو إعادة التنظيم من جانب حماس.
ويشدد على أن هذه القضايا تتطلب رسالة جانبية أمريكية واضحة، على غرار الترتيبات المتبعة في لبنان، لتحديد التفسيرات المتفق عليها ومنح إسرائيل غطاءً رسميًا في حال حدوث خلافات أو تجاوزات خلال مراحل التنفيذ.










